فهرس الكتاب
وهكذا توجد في المجتمع أمثلة المعالي، فإذا ما التفت طالب هدى ليقتدي بكريم في حسن الرفادة والقرى رأى نموذجا حاتميا، وإذا بحث متنسك عن أسوته في الصيام والقيام وجد شبيه الفضيل ومثيل المحاسبي. والمطلوب أن يترفع كل ذي خصلة في درجاتها حتى يصير أحدوثة الدهر، متسابقا متسارعا غيورا أن يسبقه إلى الله مشمِّر، لا يقنع من نفسه بسير الهوينى حتى يعدو كالمُصَلِّي [1] وينبذ الحَجْل [2] المقيت.
إن الذي يعجز عن أن يقدم لدينه نشاطا دعويا ملموسا في معترك الصراع مع الباطل، وفي لجة الحرب الضروس مع عروش الكفر وأصنام المذاهب الباطلة المعبودة من دون الله، لن يعجز إن شاء الله أن يقدم لأمته نموذجا يقتدى به فيما عجز عنه الدعاة المنشغلون بمواجهة صناديد الكفر العنيد والفسق العتيد.
بل إن هؤلاء على الحقيقة هم الجنود المجهولون الذي يقوى بنماذجهم بنيان الصحوة، ويصفو الكدر، وتتلاشى الشوائب.
وهؤلاء هم الذي على أصداء صلاحهم تتنزل الفتوح ويهبط النصر المبين، يقول الأستاذ الراشد [3] : إن الداعية إذا ألزم نفسه بالورع كانت لورعه أصداء يحدث تكررها وترددها تحريكا للناس، ويوضح ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيى بن معاذ من أنك (على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق) ، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا التجميعي منوط بإقبالنا عليه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله، ومن أقبل بقلبه على الله تعالى: أقبل بقلوب العباد إليه. إن الدعاة كثيرا ما يشطون عزوف الناس عنهم والتهاءهم بشكليات عادية يجدونها عند الأحزاب الأخرى، وبالغث لا بالسمين، وباللغو لا بالعلم، وما من شك في أن هذه الظاهرة هي من الجهالة التي قوبل بها الأنبياء عليهم السلام وبعض المصلحين، وأنها صفة متوقعة من البشر، وأنها من علامات اقتراب الساعة، ولكن يبدو أن صدود الناس هذه الأيام قد فاق كل صدود سابق، وأن جهالة الناس بلغت حضيضا واطئا، وأصبح أمر الإصلاح عسيرا على المقل الماشي في طريق الإيمان بهدوء وبرودة، ولا بد أن يتصدى المكثر، الراكض، الفائر، ذو الحرارة.
(1) على وزن اسم الفاعل، هو الأول في الخيل المتسابق.
(2) هو التريث في الخطو، والتمهل في المشي.
(3) المسار ص 9.