فهرس الكتاب
فأقام الحجة لله على خلقه، وأعلى للحق راية على مدى أفقه، واستنار بنموذجيته أقوام، واقتدى بِهُدَى دَرْبِه فئام، وارْعَوَى بصرامة حقِّه طغام.
ومما ينبغي تقريره أن الكمال البشري لم يثبت إلا للمعصومين من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن عداهم فكل نقص وذنب وتقصير فهو جائز عليهم وثابت في حقهم على وجه اللزوم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) .
وعليه فلا مطمح لأحد في بلوغ رتب الأنبياء والمرسلين أصلا، ولكن مراتب الطاعة المختلفة مأذون بتسنمها مسموح برقيها من كل البشر.
لا جرم تنافس على تلك المراتب المتنافسون، وتسابق إليها الحريصون، فذاك صوام وهذا قوام وآخر بذول ورابع من الذاكرين الله كثيرا وخامس ممن شمر الساعد في طلب العلم وبلغ رتب العلماء، (ولكلٍ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات) .
وعلى هذا التنظير فإن المتصور أن تتحقق في واقعنا نماذج السلف الصالح الراقية، ويتجسم في نطاق حواسنا ما نقرأه في تراجم أئمتنا الأعلام.
ونفس هذا التنظير يتطابق مع منهج السلف في التزكية، فسلفنا لم يطمحوا أن يكون كل المجتمع قواما لليل، أو صواما للنهار لأن هذا لم يتحقق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أصلا، فكيف نرجوه في أجيال لاحقة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه) .
بل المتصور أن تتنوع نماذج الطاعة في المجتمع الواحد، وتتوزع رتب الطاعة العليا بين الطاقات المختلفة، فهناك من بلغ في الزهادة واطراح ملذات الدنيا مقام معروف الكرخي، ومنهم من استوفى من التقوى نصيب أحمد بن حنبل، ومنهم من نذر نفسه للجهاد فلا تراه إلا مخاطرا بنفسه في كل ميدان، ومنهم من تفرغ لمقارعة المبتدعة والزنادقة أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من تصدر للوعظ والإفادة والنصح للأمة أمثال الحسن البصري.
وعلى هذا المنوال ينبغي أن ينظر المسلمون لمنهج الصلاح والإصلاح: أن يتوجه كل امرئ إلى ما تطيب نفسه به من رتب الطاعة فيرقى في درجاتها، ويتسنم منها المقام الأسمى، ويبلغ فيها الدرجة العليا، فإن وجد زكاة قلبه في قيام الليل أدمنه، وإن تلذذ بالصيام أدامه، وإن أتقن العلم تخصص فيه وأفاد الناس، وإن استحلى تلاوة القرآن جعله نَفَسَا يحيا به، وإن كانت نفسه ذات سجايا صالحات كالكرم والحياء تمادى في الخلق ليكون مضرب المثل فيها.