فهرس الكتاب
إن نفوس البشر تتباين، وطباعهم لا تتفق، فما كان شاقا عن قوم سهل على آخرين، وما استصعبه ناس كان سهلا ذلولا عند جمع آخرين، ومن الخلق ذوو أفئدة ناشزة وقلوب نافرة، ومنهم من بلغ في اليقين والإيمان الرتبة العليا، منهم البخيل الشحيح، ومنهم الكريم الأريحي البذول، منهم الجبان الرعديد، ومنهم الهصور المقدام، نفوس أبية وذوو خصال دنية، منهم الشكور ومنهم الكفور، عيون فاجرة ومقل من خشية الله دامعة، قال تعالى: {إن سعيكم لشتى} ، وقال تعالى: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} ، وقال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} ، وقال تعالى: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} ثم قال: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} وقال تعالى: {فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق. ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} .
ولكن الله تبارك وتعالى يسر للإنسان اختيار المعالي وخلع الدنايا، فقال تعالى: {وهديناه النجدين} ، وقال تعالى: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ، وقال تعالى: {إنا هدينا السبيل إما شاكرا وإما كفورا} .
وقال تبارك وتعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} . وقال تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} ، وقال تعالى: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين} .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . وقال صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) .
إن همة الإنسان هي التي تقوده إلى المعالي، وخساسته ترديه في الدنايا، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم. فمن ألزم نفسه لأواء السعي علا، ومن ارتضى الرخاوة والدعة فلا.
ولولا تكاليف السيادة لم يخب ... جبان ولم يحو الفضيلة ثائر
وأبواب الفضائل كثيرة جمة، ومناحي السبق في الخير موفورة، وإذا اختار المرء منها بابا، وأتقن منها ميدانا فقد أقام للإسلام صرحا من القيم شاخصا، وأبدى للناس نموذجا من المثل كاملا.