الصفحة 73 من 214

فسنة الله لا تحابي أحدا، حتى الأنبياء والمرسلين، اجترفتهم أقدار الإله لما حصل التقصير من بعض أتباعهم. أخذت الرجفة موسى ومن اختاره لميقات ربه بفعل بعض السفهاء، ويهزم جيش فيه خير البشر وخيرة الله من العالمين محمد صلى الله عليه وسلم لأن من جنده من كان يريد الدنيا.

إن المسلمين قد عاشوا - للأسف - قرونا في ظل ثقافة تواكلية، وتحت سقف سلبية مقننة، وقد وجد من علماء المسلمين - للأسف أيضا - من يقعد مبدأ السياحة في الأرض والخلوة في الفيافي في وقت كان التتار يدكون حصون الشام والصليبيون يدكون حصون مصر.

إن في بعض الأدبيات الصوفية جنوح لما يمكن أن نسميه دعوة للكسل والخمول، ولن نعجب أن يستقر في أذهان العامة أن الصوفية أو رواد المساجد في الجملة أصحاب بطون، أو أنهم عشاق الفَتَّة.

إن هذه الثقافة التواكلية سرت في وجدان الأمة حتى أضحت عقيدة يُعْتدُّ بها ومَهْيَعا يرتاده كل من أراد التدين. ولا أغالي إذا قلت إن شيئا من هذه التواكلية سرى إلى أوصال الصحوة المباركة بفعل التجاور والمعاشرة.

ورأينا من يقنن لهذا الكسل، ويقعد لما اصطلح عليه العوام اسم (البركة) ، أي أن كل شيء يمشي بالبركة أي بدون اتخاذ الأسباب وبدون اكتساب المهارة اللازمة لأدائه.

وسمعت بعض الدعاة ينفر من التخطيط السليم لإدارة الدعوة، وأن الخير في عدم تعقيد الأمور، وآخر يبدع العمل الجماعي، وثالث يحرم ابتكار الوسائل الدعوية، في نمط من السذاجة لا يتناسب مع مقامهم في العلم والفضل.

إن اتخاذ الأسباب عقيدة كما أن التوكل نفسه من العبادات القلبية الأصيلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الاثنين في أسلوب بليغ حين قال: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا) . أي تذهب في الصباح المبكر خالية الحواصل، فإذا عادت في المساء كانت ممتلئة البطون. ولو كان التوكل في ترك الأسباب، لَقَرَّت الطير في وُكُنَاتِها وأوكارها تنتظر رزقها رغدا يأتيها من كل مكان. ولكنها خرجت وطارت وسعت في أرجاء الحقول تبحث عن الحب والدود، والفقيه من اعتبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت