الصفحة 2 من 9

إنَّ القارئ لظاهرة الهمز في مباحث المتأخرين من القدماء فضلا عن المحدثين العرب، يجدهم قد ترسموا أثار القدماء الأوائل في تحديد بيئات هذه الظاهرة الصوتية، وإذا ما عنّ لباحث ما في هذا الموضوع نجده يهرع إلى تلك المقولات دون تدقيق وتمحييص، إذ يقول القدماء: إن أكثر الخصائص شيوعا في لغة أهل الحجاز تسهيلهم الهمز، والهمز يعني النبر، أي أنهم لا ينطقون الهمزة نطقا طبيعيا منبورا، إذ ما علمنا أنه حرف مجهور من أقصى الحلق (4) . فضلا عن كونه صوتا صامتا حنجريًا (5) . وهذا الصوت هو المسؤول عن صعوبة النطق به لأنه صوت عسير، لا يخرج إلا بانحباس الهواء خلف الاوتار الصوتية ثم انفراجه فجأة، وهذه العملية تحتاج الى جهد عضلي كبير في عملية النطق تزيد على ما يحتاجه أي من الاصوات الاخرى (6) وعلى الرغم من ذلك وكون اللهجة الحجازية هي مصدر من مصادر العربية الفصحى و عليها المعول في معرفة الغريب والنادر، فضلا عن كونها بيئة تسهيل وتلييّن، فقد اتصفت العربية الفصحى بظاهرة الهمز، لان العربي (الحضري و البدوي) من يؤثر الهمز في بعض استعمالاته اللغوية، الا انهم قالوا: إنَّها سمة من سمات البدو في وسط الجزيرة و شرقها (7) وقد ذهب احد الباحثين المستشرقين (8) في تعليل شيوع ظاهرة التسهيل في لغة اهل الحجاز، الى طبيعة اللغة العربية وانحرافها عن بعض الاصول اللغوية فضلًا عن علاقتها باخواتها الساميات (اللغات الجزرية) لكونها امتدادًا لهن، اذ ذهبت مذهبهن الى نزعة الاستغناء عن هذا الصوت كونه صوتًا إنحباسيًا، وهذا ما اخذ يضعف في الآرامية حتى فقد كل قيمته الصوتية كساكن وهذا ما نلحظه في اللغة العربية الغربية حسب الروايات التي نقلت عن مستعملي اللغة، بأنَّهم يذهبون بها مذهب التسهيل أي التخلص من الهمزة.

أما اللغات الشرقية فكانت لهجاتها محتفظة إلى حد ما بهذا الصوت الاحتباسي الحنجري ولم تنافسها في ذلك من اللغات القديمة سوى اللغة الأوجاريتة (9) ، أي أن ابناء هذه البيئة اللغوية"البدو"على حد تعبيرهم - تعودوا النبر في موضع الهمزة إذ يذهبون به إلى ضبط الإيقاع النطقي فضلا عن الإبانة عما يريدون من نطقهم لمجموعة من المقاطع المتتابعة السريعة الانطلاق على ألسنتهم، فموقع النبر في نطقهم كان دائما إبراز المقاطع (10) ، وهذا ما لا نلحظه في لغة أهل الحضر"حسب تلك الروايات"لان طبيعة الهمزة أدخل في الحلق من حيث المدرج الصوتي ولها نبرة كريهة - على حد قول الرضي - تجري مجرى التهوعّ ثقلت بذلك على ألسنتهم، فخففوها واستعاضوا عن ذلك بطرائق صوتية كتسهيل نطق الهمزة، بتليينها أو إبدالها أو حذفها (11) . إلا أن هذا الأمر لا يطرد في لغة أهل التسهيل، لأنا وجدناهم يلتزمون التحقيق - وهذا ما يتعارض مع تحديد القدماء لظاهرة الهمز - في الأساليب الأدبية، إذ كانوا يلجأون إلى تحقيق الهمزة كلما عنّ لهم أمر جدي يتطلب استعمال اللغة الانموذجية، وهذا مروي عن بعض من نُسب إلى تلك البيئات اللغوية التي عرف عنها التسهيل سواء أكانوا أفرادا أم جماعات، ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة لربط التنوع اللغوي"التغاير اللهجي"بالتنوع المكاني، لان المادة اللغوية التي وصفت بعد روايتها لابد لها من أن ترتكن إلى ماهية المظهر التسجيلي الذي يقتضي جمعها وتوزيعها حسب تلك المرويات، ورسم خطوط التوزيع اللغوي بين تلك الهيئات اللغوية التي تمثلت بتلك المرويات اللغوية القديمة -"أعني القراءات القرآنية"- إذ لاقت هذه المرويات عناية الدارسين بتحديد بيئاتها اللغوية تحديدا جغرافيا من خلال المادة اللغوية الضخمة التي سجلت عن العرب - أعني الصحابة والتابعين ومن أخذ عنهم - التي تعد موردا مهما من موارد اللغة العربية الفصحى. وكان لظاهرة الهمز نصيب من هذا التحديد، إذ قالوا عن البيئة الحجازية: بيئة تسهيل وتلييّن والبيئة التميمية بيئة همز ونبر، إلا ان المدقق في تلك النصوص اللغوية الاستعمالية التي صدرت عن العرب يجد غير ما حدد على وجه الدقة والتثبت،

نجد - على سبيل الاستطراد - أن الطبري يختار من القراءات:"أرجه"الأعراف/ 111، الشعراء/ 36.لأنها أفصح اللغات وأكثرها على السن فصحاء العرب وهو يعني تميم وأسد لأنهم يقولون:"أرجيته"بلغة التسهيل، والمتعارف عليه عند القدماء أن هذه البيئة بيئة همز ونبر، أما من همزها فهذا منقول عنده عن كلام بعض قيس إذ يقولون: أرجأت هذا الأمر (12) . وقيس من بيئة إقليم الحجاز (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت