ومن ذلك أيضا قراءة الجمهور"الذئب"بالهمز وهي لغة أهل الحجاز (14) . وقيل إن القارئ الحجازي نافع بن تميم المدني هو الوحيد الذي قرأ:"أنبئاء"في"أنبياء" (15) . وهو من البيئة الحجازية، لذا تعددت مناهج العرب في هذه الظاهرة الصوتية ويمكن أن نقف مع القارئ على بعض ما ورد من استعمالات قرآنية منسوبة إلى من قرأ بها مع بيان وتحديد البيئة اللغوية التي صدرت عنها.
قرأ ابو عمرو بن العلاء التميمي البصري (16) . وابن كثير عبد الله الداري المكي (17) . وعلي بن حمزة بن عبد الله الاسدي الكوفي (18) . وعاصم بن أبي النجود بهدلة الكوفي (19) . وحمزة بن حبيب بن عمارة التميمي (20) : (هم أحسن آثاثًا ورءِيا) مريم/74.بهمزة"ورِءيا"أي بهمزة ساكنة بعد الراء وهو من الرؤية أي: أحسن منظرا (21) . وكان مذهب أبي عمرو بن العلاء تحقيق الهمزة الساكنة، فهو لا يهمزها سواء أكانت فاءً أم عينا أم لاما إلا أن يكون سكون الهمزة عارضا للجزم (22) . وقد قيل الحجة في هذا لأنه قصد إلى رؤية المنظر والحسن ونسب محمد بن جرير بن يزيد الطبري (23) ، هذه القراءة إلى عامة قرّاء العراق والكوفة والبصرة (24) . ولم تنسب إلى أهل مكة علما أن ابن كثير كان قاضي الجماعة بمكة واحد القراء السبعة، و قال (( وأولى القراءات في ذلك بالصواب من قراءة من قرأ(أثاثا ورِءْيا) بالراء والهمزة، لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن معناه المنظر وذلك هو من رؤية العين لا من الرؤية ... (25) . ))
أما قراءة التسهيل فهذا وجه منقول عن أهل المدينة وهو مقبول جيد عند الفراء (26) . وقيل قد يكون قارئه أراد الهمزة فأبدل منها ياءً فاجتمعت الياء المبدلة من الهمزة والياء التي هي لام الفعل فأدغمهما وجعلتا ياءً واحدة مشددة وهذا منقول عن الكسائي (24) . وقيل هي لغة ضعيفة إذ أجرى المخففة مجرى الأصلية وكسرت الراء لتناسب الياء، فضلا عن كون الواو في تقدير الهمزة (( فلا يقوى إدغامها مما لم يقو الإدغام في قولهم(التزر) من (الآزار) و (التجر) من (الأجر) . )) (28) .
أما في قراءة قوله تعالى (تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) سبأ/14. فقد قرأ عاصم بن أبي النجود الاسدي الكوفي والأعمش سليمان بن مهران الاسدي (29) . وأبو سعيد الحسن بن يسار البصري (30) ، بالهمز (31) .
وقال الفراء (وزعم لي أبو جعفر الرؤاسي أنه سأل عنها أبا عمرو بن العلاء التميمي البصري فقال:(مِنْسَأَتَهُ) بغير همز، فقال أبو عمرو: لأني لا أعرفها، فتركت همزها) (32) . أن ما نقل عن أبي عمرو وقوله بعدم معرفتها قول فيه من عدم الدقة الشيء الكثير لكون صاحب القول علم من أعلام اللغة وراوية عن العرب الخلص واحد القراء السبعة فمثله لا يقول ذلك، ولكن الأصل في هذا ما نقل عن الفراء بأن أبا عمرو له مذهب في تحقيق الهمزة الساكنة فهو لا يهمزها سواء أكانت فاءً أم عينا أم لاما إلا أن يكون السكون عارضا كالجزم، و هذا فيه نظر من وجهين: الأول نقل عنه أنه قراء بالهمزة قوله تعالى (هم أحسن أثاثا ورءْيا) مريم/74 فإذا كانت الهمزة الساكنة في ذا الموضع فالسكون ليس بعارض، إمَّا الثاني فإذا كانت الهمزة متحركة ونقل عنه أنه قرأ بالهمز فهذا نقيض ما نقل عنه من طرائق التحقيق. فضلا عن ذلك ان اشتقاق الكلمة يدل على أنها مهموزة لأنها مشتقة من نسأته أي أخرته ودفعته (33) . وهذه اللفظة هي عينها في قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها) البقرة/ 106، إذ قرأها أبو عمرو بن العلاء وابن كثير المكي، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي (34) . ومجاهد بن جبر المكي (35) . وعاصم بن أبي الصباح العجاج الجحدري البصري (36) . بالهمز، أي (ننسأها) يريدون نؤخرها من النسيئة (37) . فلفظة ننسأها هي عينها التي ذهب بها أبو عمرو بن العلاء إلى التسهيل ولا مائز بينها سوى أن الأولى السكون فيها ليس بعارض والسكون هنا سكون عارض أي ان الكلمة معطوفة على فعل الشرط (ننسخ) واقتضت الحركة نفسها كما فعل هذا في قوله تعالى (هم أحسن أثاثا ورءْيا) مريم/74.
ومن القراءات التي ذهب بها أهل التسهيل على حد قول القدماء، إلى الهمز قراءة قوله تعالى (ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش) الأعراف/10. إذ قرأ نافع بن عبد الرحمن المدني، وابن عامر الحصبي الدمشقي، وعبد الرحمن بن هرمز المدني (38) ، والأعمش سليمان الاسدي، وزيد بن علي بن أحمد (39) ، بهمز (معايش) (40) .