فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 15

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على محمدٍ الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ:

فقد شاعَ وانتشرَ ما أذاعته جماعةُ وتنظيمُ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ والشامِ من إعلانِهم أنفسَهم أنهم وأميرهم هُم جماعةُ المسلمين أي الخلافة الإسلامية العظمى. دعوا عمومَ المسلمين في العالم إلى البيعةِ لأميرهم على هذا المعنى، وهو أمرٌ قد بلغني من قبلُ أنهم سيفعلونه، من قِبَل الإخوان في سوريا الشام، وقد طلبوا مني مرارًا أن أكتبَ الوجهَ الشرعيَّ لهذا الفعل، كما أن شيخنا الصابرَ أبا محمدٍ المقدسيَّ قد طلب مني قبل أن أكتبَ في هذا الأمر لما بلغه يقينًا أن التنظيمَ يرفضُ قبولَ التحكيمِ بينهم وبين جبهةِ النصرةِ محتجين أنهم"الدولةُ"وليس من الدين ولا التاريخ أن تجلسَ الدولةُ مع غيرها للتحاكم (زعموا بهتًا وانحرافًا) ، ولقد قلتُ لمن يحضرني من الإخوان أن تنظيمَ الدولةِ قد دخل فيه الانحرافُ من جهتين:

أولاهما: من أفراخِ جماعةِ الخلافةِ، وهي جماعةٌ قَدَمَتْ في الجهل، إن من الشر من حيث زعموا أن الخلافة (الإمامة العظمى) حقيقتها تكون بأن يبايع واحدٌ من المسلمين واحدًا من آل البيت لتكون الحقيقة الشرعية لهذا المسمى العظيم، وقد كان لي معهم كلامٌ طويلٌ حيث بانَ لكل مبتدئٍ من العلم جهلُهم، وأما طالبُ العلم الممكَّن فهو بصيرٌ بجهل هذه الدعوى، وقد كان آخرُ كلامٍ لي مع الخليفة المزعوم أن قلتُ له إن طريقَكم يجمعُ بين ضلالِ الروافضِ والخوارجِ: وأما أخذكم عن الروافض فهو من جهةِ تسمية المعدومِ وهو إمامهم الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري إمامًا، وقد فرغ أهل العلم في بيان اختلال هذا المعنى، ومن تأمَّل كلامَ شيخِ الإسلام ابنِ تيميةَ في منهاج السنةِ النبويةِ وفي مقدمة كلامه عن معنى الإمامة عند العقلاء وأهل السنة رأى فسادَ هذا المعنى شرعًا وعقلًا، وقد كنتُ أقولُ لهم إن الحقيقةَ الكونيةَ هي التي تُكسِب الألفاظَ معانيها، حتى الشرعيةَ منها، فالخلافةُ اسمٌ لحقيقة وليست اسمًا غير معقول المعنى، تضعه على"اللاشيء"فتصبح له الحقيقةُ الشرعيةُ كما تزعمون، وكان ردُّهم أن هذه -شروط الإمامة- لم تثبت بالشرع وكان هجيراهم حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل) ، وقد بذلتُ جهدي لهم في بيان حقيقة لفظ الخلافةِ والإمامةِ والإمارةِ، وأن هذه الحقائق هي التي تتحقق مقاصدها، فإن خلت من هذه المعاني ذهب عنها الاسمُ الشرعيُّ، وهو كلامٌ يدركه الأطفالُ، فكان ردُّهم دومًا: هذه فلسفةٌ لا نفهمها.

وقد جمعتني بهم مجالسُ كثيرةٌ وكان جلُّ وسعهم أن يأخذوا مني تزكيةً لهم على اعتقادهم، وكان إصراري أنكم لا تعدون -إن أحسنَّا بكم الظن- جماعةً من المسلمين لا جماعةَ المسلمين، وحيث سميتُم الوهمَ (صيغة الخلافة عندهم) اسمًا شرعيًّا مباركًا (أي الخلافة) فأنتم في هذا الباب على نهج الروافض، وهم أكثرُ الناس وهمًا في هذا الباب حيث يسمون الغائب"المعدوم"إمامًا ويعلِّقون عليه أحكامَ الإمامة، بل وأكثر من ذلك.

وأما أنكم تشابهون الخوارج؛ فإنكم أتيتم بالشرِّ الأكبر فيهم حيث كفرتم المخالفَ لكم في هذا المعنى، وقد صرَّح لي"خليفتهم"وفقيههم المقدم فيهم أنهم كانوا على هذا الاعتقاد وهو تكفيرُ مَن لم يبايع خليفتَهم، ولكنهم قالوا: إن اعتقادنا هذا قد تغيَّر -أي الخليفة! والفقيه! - وإن كان بعضنا على هذا الاعتقاد، وهي مسألةٌ لا نوالي عليها، فهي عندهم مسألةٌ خلافية يجوزُ فيها الافتراقُ دون الفراقِ، وحيث كان هذا معتقدهم في الابتداء فقد وقع منهم جهالاتٌ كثيرةٌ من إباحةِ الدماءِ والأموالِ، وليس هذا موطن كتابةِ تاريخهم الذي اعترفوا به هُم دون سواهم، وقد انتهى الأمر بيني وبين خليفتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت