وفقيههم على حُسن الصحبة بيننا مع بقاء تصريحي لهم بما تقدَّم، هذا مع علمي أن بعضَ أتباعهم يطلقون عليَّ حُكم الكفر، وقد كان أحدهم يُشيع هذا الحكمَ عني، ويصرِّح به في مجالسه العامة في المساجد حتى سعى أحدُ شيوخنا وهو الشيخ أبو عياض إلى ترتيب جلسةٍ بيني وبينه دون علمي -وهو رجل مقدمٌ فيهم- لأنه كان حريصًا أن لا يجتمع معي ولا يناقشني، فلما حضرتُ إليه في بيت الشيخ أبي عياض لم يعرفني حتى قدَّمتُ نفسي له، فحاول جاهدًا الخروجَ ولكنه أُلزم من صاحبِ البيتِ الكريمِ بالجلوس، ولما دارَ معه الحوارُ -والشيخُ أبو عياض يشهد على هذا- لم يكن من هذا المُقدَّم في جماعةِ الخلافةِ إلا ترداد أني كافرٌ فقط، وقد سألته مسائلَ في باب التكفير، وهي من قواعده فلم أجد إلا الجهلَ، فلما عرق حزنتُ عليه وأذنتُ لصاحب البيت أن يُفلته وقد كان.
وقد كان سببُ التكفير زعمه أني أُجيز التحاكمَ لغير الشريعة، وذلك أني أجبتُ قائلًا يومًا عن مسألةٍ إنها من معاني الاستنصار في دفع الظلم وليس من باب التحاكم فهو يطلب الحكم في النزاع أو الأشياء أو المعاني، فلم يفهم شيئًا مما قلت، وقد جاءني الخبر من شيخنا أبي محمدٍ المقدسيِّ أن هذا الرجلَ اليومَ عند تنظيم"الدولة"وقد سُجن وذلك لجرأته في تكفير المخالف من المسلمين، وهذا عندي يدلُّ أن جماعة (الخلافة) السابقة قد دخلت في هذا التنظيم"أي الدولة الإسلامية في العراق والشام"وأثَّرت فيه، وحيث إني أعلمُ أن جماعةَ"الخلافة"يدعون لبيعة الأول فالأول، فإن جماعة الدولة قد سَرَتْ فيهم بدعةُ الدعوة إلى الخلافة على المعنى الباطل، ولكنهم لم يقبلوا"الخليفة"؛ أي أنهم أخذوا الفكرة والاعتقاد وألبسوها لأميرهم أبي بكرٍ البغداديِّ.
هذا هو مصدرُ الانحراف الأول في جماعةِ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ والشامِ، وقد كان بعضُ الناس من خارج جماعة"الدولة"تنظيمًا ومكانًا يدعو إلى بيعة البغداديِّ بيعةَ الخلافة، وكان هذا يُحمَل عند الناظرين على الجهل والتهور وسعار المخالفة، ولم يكن يُرى هذا المعنى جليًّا في جماعة"الدولة"إلا عند من يدقِّقُ في كلامهم في رفضهم للتحاكم بينهم وبين مخالفيهم، وكان شيخُنا أبو محمد هو من نبَّههم على هذا الداء فيهم حيث كان بينه وبينهم رسائلُ وكلامٌ، مع أن بعض مسؤوليهم الشرعيين فاحت منه هذه الجهالاتُ وهو قوله: إن الإمامة من أصول الدين، وهي مناطٌ للتكفير والإيمان.
أما مصدرُ الانحراف الثاني في جماعة الدولة فهي بقايا جماعاتِ التوقُّف والتبيُّن، وبقايا جماعات الغلو ممن يطلق عليهم جماعاتُ التكفير، وقد نفر بعضُ هؤلاء إلى الجهاد في بداية أمره، وأعلمُ بعض أسمائهم، وقد أحدثَ هؤلاء من الشرِّ في رؤوس البعض، كما أنه صار لكلامهم أثرٌ كبيرٌ في رؤوسِ الشبابِ الجُدد الذين نفروا من مناطقَ صحت فجأةً من هوة الجهل العميق إلى حالة التديُّن، ومثل هؤلاء كالعجميِّ إن أسلم؛ فإن وُفِّق لصاحب سُنَّة اهتدى، وإلا كان فسادُه عظيمًا كما قال الأئمة من قبل، ولذلك تجدُ عامةَ أتباع هؤلاء من الجهلة المبتدئين في التديُّن حيث يعجز جهلهم عن فهْمِ مضايق مسائل العلم، ومعلومٌ لأهل العلم أن تنزيلَ الأحكامِ الشرعية من مضايق الفقه، بل هو أعوص ما يلاقيه الفقيهُ نفسُه، فكيف يُجعَلُ حكمُ الكفرِ والإيمانِ على الأشخاص والجماعات في يدِ جاهلٍ لا يعرف أحكامَ المياهِ والوضوءِ والصلاةِ، وقد بلغني كثيرًا أن هؤلاء يحتجُّون بكلامٍ لي في إنزال أحكام الكفر على الناسِ والجماعات، بل إنَّ البعضَ ذهب ليجعلَ كلامي سببَ فسادِهم، وأني مصدرُ ضلالهم، وقد نسي هؤلاء أن الكلامَ الشرعيَّ في قواعده العامة يمكن أن يَحتجَّ به كلُّ فريق كما احتجَّ الخوارجُ بكلام ربنا، ولكن الفارق بين الهداية والضلال في إنزال هذه القواعد ومعرفة شروطها وموانعها، وهذا هو البابُ الذي يفترقُ الناسُ فيه، بل وتتفاوتُ فيه مراتبهم في العلم والدين.