والمقامُ ليس لمعالجة حاسدٍ وحقودٍ وإلا لقالَ المرء الكثير، ولكن كلُّ مَن يعرفني عن قربٍ ويقرأ كلامي بتدقيقٍ يعلمُ الفرقَ بين كذبِ الناس عليَّ وبين حقيقة اعتقادي، كما يعلمُ كلُّ من يعرفني امتناعي الشديدَ عن التساهل في التكفير للأفراد والجماعات، ويكفيني توفيقًا أني كنتُ دومًا مانعًا كاشفًا لمثل هذه الجهالاتِ أن تدخلَ في التيارِ الجهاديِّ، مع المحاولات الكثيرة لغزوه، وها أنا الآن مقيدٌ في السجن لما يقارب الثلاثة عشر عامًا، وقد استهلكتْ رحلةُ الجهادِ الرجالَ الأوائلَ ممن رعَوا هذا الطريقَ وفتحوا أبوابه، حيث مضوا إلى ربهم شهداءَ ولم يبقَ إلا القلةُ القليلةُ ممن يعرفُ طبيعةَ وأصولَ هذا الطريق، وعامتهم إما في القيدِ أو مطاردٌ.
وخلال هذه الرحلة نبتت النوابتُ، وذرت البدعُ والأخطاءُ وتراكمت، وقد استطاع أهلُ البدع من أهلِّ الغلو والبدع الجديدة كجماعة الخلافة أن يخلوا بالناس وبالشباب الخارج من عمايات الجهل، وعامتهم أشبه بالعجم وهُم مادةُ الغلو والانحراف، كما هُم مادةُ التهور ودفع الحكمة، ولذلك فلا عجب أن نسمع كلَّ يوم بالجديد، والمرءُ لو كان حرًّا لكان في المعركة عدلًا، لكن أن تكتبَ للناس كلامًا لا يصلُ إلا بجهد وطاقة بل تحارَب لئلا تتكلم ويُترك غيرك على غالبه يسرح ويطوف بجهالاته حيثُ يريد، ومع ذلك فإن السفالة لا تفارقُ هذا المخالف حيث يرميك بأمراضِ قلبه، وهو يعلم من حاله أنه هو (المغفل النافع) عند خصوم أهل الإسلام؛ فهم يرقبون حركته بفرحٍ، ويرون غلوَّه هو طوقَ النجاة في دفع الناس من الالتحاق بركبِ الجهاد، لأن الحياةَ لا تستقيمُ إلا بالعدل والإحسان كما أمر الله تعالى. والقصدُ فإن المَطالبَ التي يرسلها الإخوةُ لي كثيرةٌ وكلها تحمل آلامًا وشغفًا، فلا يجد المرء لها جوابًا إلا الدمعَ و (ليتَ) ، وحاله كما قال القائل:
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ *** لَيْتَ شَبَابًا بُوْعَ فَاشْتَرَيْتُ
فهو -وإن يكتب- يبقى: كيف يرسل؟ وإن أرسل: كيف يجيب المتسائل والمخالف؟ وهكذا يقف المرءُ أمام إخوانه ناصحين: لا تكتب طويلًا حتى نستطيع تمريره، والحمد لله رب العالمين.
بما يخصُّ موضوعَ الإمامةِ العظمى (الخلافة) فإن على المرءِ أنْ يعلم أنَّ هذا الأمرَ ليس فيه جديدٌ عند أهل السُّنة، فقد فرغ منه أهل العلم قديمًا وحرروا كل ما تعلق به من أحكامٍ ومفاهيمَ، وقد وقعتْ في التاريخ الإسلاميِّ النوازلُ العظيمةُ والقضايا المتعددة، فكتب فيها أهلُ العلمِ الكثيرَ.
وقد ظهرت مقابل الخلافة السُّنية شذوذاتُ الضلال وأهل البدع، وبالتالي صار موضوعُ الخلافة داخلًا فيها يوصف من العلوم أنه نضج واحترق، ولذلك فما يقول المرء هنا لا يعدو صياغةً جديدةً لكلامٍ قديم، أو أنه يأخذُ ما تقدَّم من الأحكام ليُنزلها على الوقائع الجديدة، فهذا منتهى الوسع الذي يرومه من يكتبُ اليومَ في هذا البحث، وهذا الكلامُ أقوله لأني فصَّلت في خبايا أصول هذه النابتة الجديدة والتي تحدثتُ عنها ثم سَرَت إلى جماعةِ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ والشامِ، فهم يزعمون أنهم اهتدوا إلى ما غاب عن الآخرين وأن فسادَ الجماعات عمومًا وجماعات الجهاد خصوصًا سببه غيابُ مفهوم ومعنى الخلافة (على الوجه الذي أتوا به) عن عقول عمل هذه الجماعات، وهذه عباراتُ"الخليفة"يومَها معي، وهي عينُ ما قاله الجاهلُ المسمى بالناطقِ الرسميِّ لجماعةِ الدولةِ الإسلاميةِ العدنانيُّ، حيث قال في بيانٍ