فإن عجزتَ عن معرفة حُكم شيءٍ فانظر إلى عاقبته، وتذكَّر أن الدماء التي ستسيلُ هي دماءُ المجاهدين لا دماءُ المرتدين ولا الزنادقة، ولقد كان لأهل العقول والدين والحكمة مندوحةٌ عن هذا وهو أن يتحقق الوفاقُ ثم يُبنى عليه، لا أن يذهب هذا المذهب والذي هو خلاف فقه الصحابة -رضي الله عنهم- كما سأبيِّن لاحقًا، وتحقيقُ الوفاق كان قريبَ المنال لو كان عند القوم دينٌ وخلقٌ وتقوى وعلمٌ، وقد دعاهم الناسُ إليه كثيرًا، ألا وهو التحكيمُ الشرعيُّ، لكنهم تكبَّروا فرفضوه، وعظَّموا أنفسهم إذ جعلوا تنظيمهم"دولةً"لا يصلح أن يجالس الصغارَ من التنظيمات في مجلس تحكيم وقضاء، وذهب الأفَّاكون منهم ومن لبس لباس العلم زورًا ليبرر لهم أن"التاريخ الإسلاميَّ"يخلو من جلوس"دولةٍ"في مجلس تحكيم مع"تنظيم"، ولو قرأ هؤلاء قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... }
وتفسير أمنا عائشةَ -رضي الله عنها- لما كذبوا هذه الكذباتِ على القرآن والسُّنة، ولو قرؤوا سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لرأوا كيف قبل حكم سعدِ بن معاذ في غزوة اليهود القرظيين، ولو قرؤوا التاريخَ لرأوا كيف قبل الخليفةُ الراشدُ عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- التحكيمَ فيما بينه وبين معاويةَ -رضي الله عنهم- لكن هؤلاء هم"الشرعيون"في هذا التنظيم الذي انساق وراء الجهالاتِ حتى أتى بهذه الفاقرة الكبيرة.
ليس مطلوبًا من رجل وقف عمرَه عاملًا لتحكيم الشريعة في الوجود ولإقامة دين الله في الأمم أن يُعلن أن أعظم ما يتمناه أن تعودَ الخلافةُ الشرعيةُ حاكمةً لديار المسلمين التي حُرمت من هذا الخير، وغلب عليها حكم الجاهلية، فلا يُنكر هذا المطلبَ إلا ضالٌّ أو معاندٌ لدين الله تعالى، فالحديثُ ليس عن شرعيةِ الإمامةِ والخلافةِ فهذا أمرٌ مُجمعٌ عليه كما هو مذكور في كتب الفقه والسياسة الشرعية، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يصرخ حين يعلن أن هذا الذي جرى ليس هو أمنيته ولا ما يعلمه من كلام الفقهاء والعلماء، ولا هو من فِقه الصحابة -رضي الله عنهم- بأن التفرقَ مذمومٌ وأنه لا يجوز نصبُ خليفتين في آن، وإن من أجاز هذا من بعض أهل العلم قديمًا وحديثًا فقد أخطؤوا، ولكن ليعلم أن هذه الجماعة هي التي شقَّت الصفَّ وهي من أحدث الفرقة، مع أن كاتب هذه السطور يرى في خروجهم نعمةً عظمى ورحمةً ربانية لطوائفِ الجهاد، ولشرح ذلك أقول:
لقد نمتِ الحركةُ الجهاديةُ في ظروف استثنائية، ولقد استغرق الطريقُ الكثيرَ من قادتها فذهبوا إلى ربهم أو آوتهم السجون، ولم يتقِّ الله فيها أهلُ العلم من المخالفين، أو لم يُظهروا لهم أي قدرٍ من الحبِّ والعطف والإحسان، بل كانوا مع أعداء الإسلام ضدَّهم يجلدونهم بالحق وبالباطل وبالشبهة والدعاية، فقست قلوبُ الفريقين على بعضهما وجفَّ السبيلُ الواصلُ بينهما، فلم يعد المجاهدون ينظرون إلى المخالفين من أهل العلم إلا منافقين يبيعون دينهم لصاحبِ الأصفر والسوط، ولم ينظر أهلُ العلم لهؤلاء أنهم من الحقِّ في شيءٍ، وكان الحوارُ أشبه بزعيقٍ في الوديان، لا يسمع المرءُ منها إلا نفسه، وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية تنشأ الزوائدُ ويستشري الانحرافُ، إذ لا يحسن العوامُ إلا العمومات وهذا قدرهم، وهذا الطريقُ هو أخطرُ طريقٍ لأنه طريقُ دماءٍ وأرواح، وتتداخل فيه السيئةُ والحسنةُ على وجه مقارب، فإن الجهادَ في سبيل الله تعالى هو ذروة النشاط الإنسانيِّ المختلط، ومن قرأ سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى عظم القضايا التي كانت تنشأ في المغازي والسِّير، وأهلُ الإسلامِ اليومَ فيهم الكثيرُ ممن يَظنُّ أن هناك الكثيرَ من الإسلام الذي يُمكنُ أن نكتشفَه ولم يكتشفْه الأوائلُ، وهي نزعةٌ سَرَتْ إلى المجاهدين من التيار السلفي الجديد، وهذا يشكل انقطاعًا عن العلم بشقيه المقروء والمسموع، أما المقروءُ فهو القديم وأما المسموعُ فهو الجديد، وبهذا دخل الدخنُ على التيارِ الجهادي، وحيث بيئةُ الجهادِ هي القتلُ والقتالُ فإن الصوتَ المرتفعَ الغالبَ في هذه البيئات إن خلت من العلماءِ هو صوتُ الغلو، ومن عاش تجربةَ الجزائر علم هذا يقينًا، واليومَ نراه في صوت العدنانيِّ وأمثاله.