جاسم عاصي
مساقط الضوء
-قصص -
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
الحقوق كافة
محفوظة
لاتحاد الكتّاب العرب
تصميم الغلاف للفنان:
القسم الأول
الانطفاء ...
كم تعددت مراياك أيها الموت...
لكنها تؤول جميعها إلى الانطفاء الأبدي..!!
آخر الرؤيا
لم أجد في تنافر البيوت الطينية التي بدت مثل صفائح مضغوطة، ثمة علاقة تربطني وإياها. كذلك الغرف ذات القباب الصغيرة الغائصة في بحر الرمل. أرض انفتقت فجأة، مبتلعة كل شيء إلى النصف. هذه القباب لا تثير في نفسي القداسة، بقدر ما تثير فيَّ الخوف الذي اعتدته في الطفولة، حيث كانت جدتي تحدثني عنها، عابثة في غابة رأسي شادّة حواسي إلى عوالم القصص والأحاديث، بحيث أجد أن رأسي يستقر في حجرها صغيرًا، بين رؤوس النساء المحملقات في قسمات وجهها. وقتها كنت أتخيل الصحراء. مثل إناء كبير مقلوب. أما الآن فأنا أحدق بكتل الرمال المشعة كالأصداف البحرية المتكسرة، والتي تمتد بسطوح ناعمة، يكسوها بريق حاد يختفي ويظهر مع كل حركة. سطوح تنسرح وتتماوج بخطوط وظلال حادّة أو باهتة، حتى تتداخل نهاياتها مع الأرض المنبسطة، وثمة حرارة تنبعث من فوهة فرن متقد، إذ تتوغل في جسدي. وإزاءها أدركتُ أن المرء يمكنه التطهر بالحرارة، لإزالة ماعلق به من شوائب ثقيلة، متعبة، غير أن الشيء المحير في ذهني، وفي هذا الفيض والأسر الواسع، هو شدّة التصاقي بأشعة الشمس، رغم حرارتها تلك، فأنا أراقبها مبكرًا، وأستمر على ذلك لفترة طويلة، وحين قال لي نمر:
-لماذا كل هذا الاهتمام بها..؟
-قلت: أنا متجه نحوها دائمًا دون إرادة منّي..
-إنك تفكر بها كثيرًا..
-بل أراقبها كما لو أني أنتظر منها شيئًا..
-وهل يتحقق مثل هذا الذي تعنيه..؟!
-لا يحررني من خوفي إلاّ الالتصاق بها...
هذا ماحددته أمام الرجل البدوي، الذي أثارتني فيه عقدة الصحراء، فرفقته غير مملة، إذ استأنس كل منا بالآخر.. ولا أدري ربما التقت وحدته بوحدتي. ووحشته بوحشتي. أو ربما لشيء آخر لا نعرفه معًا. فأحيانًا أجد أن حرارة الشمس اختزنت في جسده، وكونت فيه إصرار الرجل الذي تأصلت فيه النوايا، قلت مداريًا ذلك:
-دع عنك التفكير يانمر..
كان يقول مستدركًا توازنه لكي يكتم مشاعره:
-لقد أشار أبي البارحة إلى الماء.. أشار بإصبعه..؟!
-وماذا في ذلك..؟!
-لاشيء سوى أنه لا زال يعاني من الظمأ..