فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 72

-ألا تدري أني أشعر بالعطش رغم تأكدي من وجودي على ظهر سفينة واسعة، هذا ماكنا نتحدث به، وأنظر إلى ملامح وجهه، ثم أحدق بالشمس، وهي تشكل خطًا حادًّا على الجدار، إنها مثل سكين قاطعه، إذ لا تجد قوة تصارعها، أو قد تمنعها من التسرب إلى الأشياء، فهي تنتشر وسط الصحراء المترامية، وتحرق كل الأعشاب البرّية الخشنة. ممتدة، بحرية كاملة، منطرحة أمام العيون، والمسافات تسبح بفيض أشعتها؛ بينما أنا ونمر، نحدق بها أكثر، وهو يعبث بعصاه، إذ يرسم خطوطًا عميقة على الأرض كالدروب الملتوية، ونحن نسير بلا هوادة، وكان قد ألِفَ صداقتي، والتصق بي منذ ذلك اليوم الذي طلب مني زرق الإبر لأبيه، إذ كان يجد حرجًا كبيرًا، وخفرًا بدويًا حين يأتيني كي أذهب معه. ومن يومها أخذت أسبقه حتى أكون على مقربة من بيوت الشعر، إذ يلمحني، يسرع نحوي شادًّا، على يدي بقوة. ومن حينها عقد صداقته معي. وكنتُ أشعر بالانجذاب التام نحوه، فهو يتيه منذ ولادته وسط الصحراء، باحثًا عن خفاياها، لاحظت أنه يحمل في طياته أسرارًا عميقة، وكثيرًا ماكنا نذهب لخيام الغجر، حيث تنفتح كل أحاسيسه، ويبتسم، وحيث تتلوى الغجرية على أنغام الرباب. كان يتفحصها ويأخذ جسده بالارتخاء، غير أنه يثبت في مكانه وينظر إلي، فيجدني أتابع حركاتها، إذ سرعان مايتغير كل شيء عنده، وتختفي ابتسامته وحماسه، ينهض غاضبًا، ثم يغادر الخيمة، والغجر لا يملونه إطلاقًا، رغم مايسببه من حرج، أتبعه فأجده ينتظرني مثل مارد تحت ضوء القمر. وكثيرًا ماشاهدت رأسه بمستوى القمر. أضع يدي على كتفه، ونسير جنبًا إلى جنب وأسأله:

-لماذا قطعت فصل الرقص يانمر؟!!

-لا أطيقه هذا الكلب..!!

-لماذا..؟!

-ألم تلاحظ لمن يعزف بربابته..؟!

-إنهم غجر... وهذه مهنتهم..!

-لا أستطيع رؤيته، وهو يعزف لزوجته ويرقصها...!

-هذا ليس بالغريب، إذا طلبت منه النوم معها فلا يمانع..

-ها... عندها سأقتله...

حينها كان يبتسم، وتخفت هالة الغضب عنده، وتأخذ ابتسامته تتضاءل مثل شمس تميل إلى الغروب، وأنا أدرك خروجه، فهو شديد التفكير بأبيه، يأخذ كل وقته.

كيف يجلس مع رجل صامت لا يريم، ويجلس أمام عيون مفتوحة لا تنطق. كان لأبيه طموح الربيع في الصحراء، وكانت كل رغبته الارتواء بماء المطر وسط هجير قاتل، أتى على حيواناتهم وتطاول عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت