كنت أعطش كما قلت، وهذا ماذكرته مرارًا لنمر، الذي لا ينفصل عني، إلاّ حينما تنفصل عن جسدي الشمس، مخلفة إياي مبتردًا، أشعر بارتباك جسدي الضئيل، وأنزوي لأبصر من خلال الضوء المتهافت مايصلني بصوت مدينتي، حيث تمتد أخبار صديقي الذي يكتب بطريقة معقدة، كانت الرياح تهب منه هادئة، نقية، كذلك صوته ينبعث عذريًا حتى لكأنه يفرغ أحشاءه على الورق. كانت لحظة وصول رسائله مع الصحف والمجلات خير ما يعينني في وحدتي، هذا الزائر اليومي في جزيرة الرمل، حيث أرقب انطلاق الصبي الذي يحملها لي من مقهى القرية التي تبعد قليلًا، يفصلها عنا خط الحديد الطويل الممتد إلى الشمال والجنوب.
وكان في مرات يعود متباطئًا، فيسقط كل حس فيَّ، مثلوجًا متهافتًا، غير أني أمتلئ روحًا فوارّة حين ألحظه مسرعًا، كل ذلك يحدث في وقت تكون فيه الشمس في زهو شديد، وهذا ماكنتُ أتمناهُ حيث الاستحمام الكامل، والهادئ، بعد أن خفت حرارتها وتضاءلت عن جسدي، ولا أكتفي بالانتظار، بل كنتُ أترك المسافة المؤثثة بتموجات الرمل ماوراء السياج الشائك، وألتقطها منه، ويسألني نمر عنها، إذ ننشد نحن الاثنين إلى عالم بعيد، ونحلم بكل شيء بالسفن والمدن الكبيرة. وهو لا يذكر المدينة بوضوح تام. فحلمه أكثر عذرية مما يمرح في ذاكرتي من صور للمدن المشوهة، ذات القلوب القاسية، وكان يقول:
-سوف لا أراها مطلقًا..!
-ليس ثمة مستحيل.. فمن الممكن أن تهجر ما أنت عليه..
-هذا بعيد..
-الحياة غير مستساغة بهذا الشكل...!
أما هو فيبدو متورم الحديث، له قلب مليء بالأسرار، وعيناه مليئتان بآثار السهر والتعب، قال بعد أن تفحص وجه الصحراء جيدًا:
-لا يمكن ذلك إطلاقًا كما قلت لك، بالرغم من كل ما أصادفه.
فهل تنمو الثمرة إذا ما أسقطت من الغصن..؟! ها... هل تنمو بعد ذلك...؟!
-تنمو غير أن نموها على نحو آخر...!
-لا أستطيع الانفصال، أنظر ليس ثمة شيء يفرح، وإن أغنامنا تموت كل يوم من البرد والعطش، لقد مات كثير منها، غير أني متعلق بها.
-إنها مسألة متأصلة في داخلك..
وهو قد التزم الصمت، حين كانت الشمس تختفي، إذ تبدو التموجات الرملية مظللة، وقرص الشمس مستقرًا على خط الأفق محتقنًا داميًا، ونحن نسير بهدوء وبطء. تنحنح ثم قال وهو منكس الرأس:
-لشد ما أفزعني أبي البارحة..!
-ماذا به ، هل تألم أيضًا..؟!
-لا.. لقد تكلم..
-تكلم..؟!