-نعم تكلم بعد صمت طويل، كما تعلم، كان مفزوعًا، وقد سمعته ينادي بخفوت ... نمر.. يا نمر.. فكأنني أسمع النداء من قاع بئر عميقة. وحين أتيته طلب مني ماء، وحرك يده حتى مسنّي بحرارته، نعم صدّق ذلك، تكلم وطلب ماء وحرك يده ومسّني وقال بهدوء... لقد شاهدت يابني شيئًا جميلًا لقد جاءني اثنان في المنام وسألاني: قم وانهض.. من تكون..؟! قلت: أنا نايف عكاب الحاتم. وأريد أن أموت. غير أنهما ضحكا يابني ونظر كل منهما إلى الآخر، وكررا النداء، قلت: لا أستطيع الوقوف، غير أن أحدهم مسّني أنا الراقد طوال العمر. والملازم لفراشي. إنهض كالشاب اليافع المربوع، فتوسطت بينهما. وسار أبي كما يسير المرء في الحلم، وكدتُ لا أشعر بأرجلي تطأ الأرض، كنتُ مثل الملاك أطير، أخذت الأرض تتغير يابني كلما غذينا السير ثلاثتنا، والسماء تصفو، حتى وطأنا أرضًا مخضّرة، فيها عشب كثير ترعاه شياه، بيض سمينة، وكان ذلك واضحًا، من إلياتها، وكانت المياه الصافية، تجري في الغدران مثل السلسبيل، حينها أدركنا بحرًا لا تطاله العين، بحرًا ممتدًا، وقفا فوقفت، ثم نظر إليَّ أحدهم، وقال: إنه الماء، هذا الذي تبحث عنه. ألا تشاهده؟! كنت تعبًا، ألهثُ قال الآخر: البحر يمتد يا هذا.. يمتدُ، وجلستُ على ركبتي فاغترفت منه بكفي. كان صافيًا. وجوفي يحترق، بعدها رفعت إلى فمي حفنة ماء فمنعاني، ورفعاني، من جلستي، وصرخت، غير أنهما ألحا على منعي، ثم أمسك أحدهما بخناقي، وأنا أبكي، حتى استيقظت وناديتك يابني...
طأطأ رأسه، بدا وجهه آخذًا بالاصفرار، قال:
-إنه حلم مخيف.. بعد أن قال عما شاهده أخذ يردد: رأيتُ البحرَ يانمر.. البحر.. اخرج لعل السماء تحمل لنا موسمًا ماطرًا..
خرجت ورأيتُ.. ثم لم يكمل بعد ذلك بل صمت من جديد وأخذتهُ إغفاءة عميقة، نظرت إليه متخيلًا البحر والصورة التي بدت للشيخ المتمرس بالجفاف لسنين، وقد بدت الصحراء متسربلة بالسواد، إلا من بيوت الغجر، حيث تبدو من داخلها الأضوية الخافتة، قال وهو يتجه إلى بيته:
-إنه لحلم مخيف. وقد تكلم على أثره، وهذا عجيب...
ثم تركني أفكر بهذه الحالة المخيفة. ولم أتجاوز التفكير إلاّ بنفس مافكر به، وقد دونت ملاحظة في دفتر مذكراتي: