فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 72

كان المعسكر واسعًا، بقينا في داخل ساحته الواسعة النهار بطوله، وعند نهاية العصر، دعينا للتجمع، وكالعادة قرأت أسماؤنا، وأدخلنا إلى قاعات واسعة، منتشرين هنا وهناك، كثرُ اللغط والحديث، وتصاعد بسرعة دخان السجائر؛ وطغى على فضاء القاعة، حيث ارتخى الجميع على فرشهم يتهامسون ويدخنون، ويتكهنون، ويشاكس بعضهم بعضًا، بينما"وبسبب طبيعتي"انشددت أول مادخلت إلى القاعة، وافترشت بطانيتي، ثم أرخيتُ ظهري على الحائط، حتى انتابتني الوساوس، منشغلًا بطرق أسمعه، يتوالى من خلف الجدار. كانت الطرقات متتابعة، صادرة إثر ضربة مطرقة على مسامير. نمّت عن مهارة نجار، حسبتها أول الأمر حالة إصلاح لكرسي مثلًا، فتركت أمر الانشغال بها، ورحتُ أتحدث مع زميلي عن شؤون الخدمة، والخسائر التي تلحقنا جرّاء الخدمة هذه من عجز مالي. وفي أي الجهات سيكون نصيبنا. وبأن الله هو الوحيد الحامي، وأن ما قدّر للمرء لا يأتي إلاّ من أمر الله، وبأن الحرب قد طالت كثيرًا فشتتتُ كل شيء، وحمّلتنا أكثر ممانستطيع، وها إننا ندفع الثمن غاليًا. وإن الله كفيل بإزالة مثل هذه الغمة عن هذه الأمة، وبأننا نوكل الأمر لله وحده، بعد أن يئسنا من رحمة الإنسان السادر في غيّه. وكثر الحديث، لكن أُذنيّ كانتا تلتقطان الطرقات باستمرار، وكنت ألوك الكلمات بآلية مع صاحبي، وأصغي إليه دون استيعاب، فقط هذه الكثافة من الطرق، كل ما كان يملأ أُذني ورأسي، وحين خلد الجميع إلى النوم، واستسلم صاحبي لسلطانه، أرخيتُ جسدي على البطانية، واستقر رأسي على الوسادة دون أن أُضيع لحظة للإصغاء إلى الطرقات تلك، بحيث ازداد رنينها، وملأ القاعة التي خلدت إلى الهدوء، واضمحلت كثافة الدخان. بينما الطرق أخذ بالازدياد، بل إنه استمر هكذا، دون أن يتوقف، ضربات متوالية، ونقرات على رؤوس المسامير. وبضربات منتظمة، تصدر عن يد نجار محترف، قلت مع نفسي: مالي ومال هذا..؟! ربما هناك تصليح لبعض الأثاث. لكني عدت مع نفسي مجيبًا: وهل يعقل هذا، ألم يستغرق التصليح هذا وقتًا طويلًا سيما ونحن قد تجاوزنا منتصف الليل بساعة تقريبًا، ألا يخلد هذا الطارق إلى النوم والراحة، ويترك مابيده إلى الغد..؟! وتكاثفت الأسئلة، وازدحمت في رأسي، وأنا أصغي إلى الطرقات وتواليها المنتظم الذي أرقني كثيرًا، ودفعني إلى التسلل من فراشي، ومغادرة القاعة، مندفعًا بهدوء تام إلى الباب الذي بجانب باب قاعتنا، مدركًا أن الصوت يأتيني من خلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت