فهرس الكتاب
رأسي تمامًا، وهذا يعني أن ثمة قاعة أو غرفة أخرى يشتغل داخلها نجار، فقد أستطيع تنبيهه وأترجاه أن يكف عن الطرق. لكي نخلد إلى الراحة، منتظرين الغد الغامض. رحت أسير بهدوء وأقترب من الباب، وجدته مواربًا، دفعته قليلًا، ثم تلصصت لأرى ما بداخل الغرفة، إذ انكشفت عن قاعة واسعة جدًا. مزدحمة بالخشب، وآلات القطع والمناشير وآلات التنظيف، كانت تلك الآلات العملاقة، متوزعة على زوايا القاعة والأرضية، وقرب منضدة الخشب المتكدس والأخشاب دون تقطيع، وبجانبها قطع من الخشب المقطع إلى أشكال محددة ومتساوية، بعضها يتكئ على الجدران، وثمة رجل يحمل مطرقة بيده ويضرب على قطعة خشب يحاول تركيبها على مستطيل. حين لمحته داهمني هاجس غريب. ابتعد عن الصندوق الطويل. ثم حمل قطعة خشبة مهيئة بشكل مناسب. وضعها على وجه الصندوق. ثبتها بمسمار واحد قرب الرأس والآخر قرب القدمين، حتى بان شكله واضحًا، تابوت طويل بقياسات ثابتة، حمله صعوبة، ووضعه إلى جانب آخر، تكدست فيه التوابيت بانتظام، وضعه على مجموعة كانت مرصوفة فوق بعضها، ثم عاد مقربًا منه أجزاء لآخر. وبدأ بالتركيب والطرق، بينما انسحبت بهدوء عن مدخل القاعة، دون أن يراني. وددتُ أن أنطلق خارج المعسكر راكضًا، لكن التوابيت كانت تلاحقني. تتركز إلى جانبي، وكل واحد منها يفتح غطاءه، ويطلب مني الدخول إليه، لكني أزيد من جريي وركضي السريع على فراش بارد، حتى انبلاج الفجر.
شباط 1994.
مساقط الضوء
اليوم الثالث مضى، وأنا وسط الجوف الغامض، الذي لم أألفه بسهولة، كنتُ أجاهدُ للاقتراب من موجوداته، والدخول في تفاصيله، كل شيء فيه مرعب، كان ذلك أول الأمر، لكن الخوف تضاءل كالظلام، رويدًا، رويدًا، وكنت أتساءل، من يحميني من سطوة خوفي وترددي الآن..؟! بعد أن دخلته بمحض رغبتي وطموحي.