فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 72

إذ قال لي بعد أن أدرك تذمري وحيرتي كل الذي تريده هنا، أدخل ولا تتهيب، فدخلت، كانت الرائحة أول ماحاصرتني، وأنا أدخل قدمي الأولى، وأضعها على أرض الجوف الغامض، قال: انظر، إنه كنز لا يحصى من الخشب، ونظرتُ، حيث برز لي مسرح عريض، تتعامد جوانبه، اختفت الأشياء من حولي، ثم ظهرت كالوهج المبعثر على نقاط متباعدة، لا يلمها ويجمعها سوى هذا البريق السريع الأخاذ، والذي يكشف البقع الداكنة من الظل والظلام، الذي اقتحم المكان وسدَّ المنافذ من كل الزوايا والسقف، أخذت خيوط الشمس تتسلل حادّة كالسهام من خلال ثقوب الصفيح، مخترقة جمود الأشياء والهياكل الرابضة بصمت مخيف. مكان موحش، صامت، ثقيل، لا تثيره سوى حركتي التي هي أشبه بالدبيب..

لقد قادني بساقين نشطتين، تحثان بعضهما، وأدخلني سور الحديد، وولج معي مدخلًا طويلًا، وأنا أتبعه طائعًا، كان الممر خافت الضوء، سرعان ما انفتح على هذا الجوف الذي يحتويني كالنواة، والمزدحم بقطع الخشب والمسامير التي كان الصبي الذي معي طيلة الأيام المنصرمة، يهتم بها، يجمعها إلى بعضها، ويعيد لها استقامتها، هذا الصبي لا أدري من أين أتى..؟! وهل اقتحم هو وحدتي.؟!

أم أني اقتحمت عالمه..؟ لكننا ألفنا بعضنا بعضًا.

قطع منكفئة على بعضها، أو مرمية على الأرض بارتخاء، أو مستندة إلى الجدران عُلب طويلة وضيقة، ذات نهايات مخروطية، احتوت الأجساد الطرية المدماة والمحالة إلى اصفرار ميت، مستطيلات مجوفة، مفتوحة الوجه، وأخرى مغلقة، أكداس متداخلة مع بعضها. قلت وقتها: إن تنظيفها وتفكيكها يتطلب مني جهدًا مضاعفًا، ترى هل أمتلكه؟! هل أستطيع التخلص من سطوة الجوف، والهرب خارجًا؟! وماذا يقول عني..؟! لم أُصدق أني استطعت فعلًا تجاوز ترددي، ثم نسقت كل شيء، بعد عمليات التفكيك المتواصلة. تسربت خلالها إلى جسدي، روائح غريبة، وخانقة، لكن حين انكشف كل شيء من حولي، واتضحت المعالم، أدركتُ أني داخل قبو مظلم لولا مساقط الضوء المنبعثة من شقوق وثقوب السقف الصفيحي، بحيث طغت على ضوء المصابيح الراشحة، والتي تدلت بأسلاك نحيفة من الأعلى، حتى بدت مثل نقاط مبعثرة أمام هذا التناسق الواضح لخيوط الضوء الساقطة من الثقوب والشقوق، والسائرة بتواز رشيق، مضيئة عتمة الأشياء، ومقتحمة ظلالها، كاشفة عن مستطيلات الخشب، واتكاءاتها، غير المنتظمة. وقتها اقتربت ببطء حذر نحوها، كما لو أني أسير على أرض مجهولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت