فهرس الكتاب
ارتخت نظراتي على الأشياء أول الأمر بتهيب وخوف كامن في داخلي، حاولتُ زحزحة قدمي عن الأرض الصلبة المفروشة بالاسمنت الأسود، لكني أدركتُ ثمة قوة تربطني إليها، وأني غير قادر على تحريكها والتجوال في مثل هذا المكان المليء بقطع الخشب ومستطيلاته، دون أن أجري تعديلًا يناسبني، وأن أُولدَ استقرارًا مالحالتي، مقتربًا أكثر من المكان، فهندسته وغموضه كونا نقطة ضعفي وخوفي وترددي، ويقينًا لا يمكن المكوث هكذا مقيد القدمين بالوهم، فإما خطوة إلى الأمام، أو خطوات متقهقرة إلى الخلف، والمبارحة نهائيًا.
ازداد هذا الزخم من التردد والإصرار والخوف، واستطعت أن أمسك بحبل دقيق، والابتداء بالتجوال في فوضى المكان بحذر. ما الذي قذف بي إلى هذا، غير فضولي، ورغبتي في التحقيق، وشهوتي الدائمة للاكتشاف..؟!
وإلاّ ما شأني بهذه الأماكن التي لم أرسم لها صورة مافي رأسي؟! هل يصح أن أتراجع..؟ كنت ممسكًا ومازلت بالمطرقة، والكلابتين، أفرغ فيهما خوفي، واستمر تجوالي. لا أدري كيف انقضت الأيام الثلاثة؟! غير أني أحسب أن يقظتي ابتدأت اليوم، اليوم الرابع الذي أشرع في الدخول إليه، كنت كل يوم أدخل فيه الجوف، يبدو لي يومًا جديدًا، حيث ألاحظ حالة التبعثر قد كونت في نهايات الليل وبدء الفجر أفواجًا من العلب الخشبية تكون قد سبقتني وتكدست دونما نظام، ولم أشعر إلاّ بجفاف فمي وخواء معدتي إذ تعودت أن لا أتناول أي شيء في الصباح، حيث أفاجأ بالرائحة المحتبسة والخانقة، فها هو اليوم الرابع يبدأ وأنا على الإحساس نفسه بالرائحة المنبعثة من القبو، ويتوالى المشهد نفسه، وتتجدد أكداس المستطيلات في مدخل الجوف، وفي داخله أثناء فترة غيابي ليلًا، كأني أبدأ العد التنازلي. رفوف الخشب النظيف، على تراصفها وتراصّها، وأكداس المسامير المخلوعة من جسد الخشب، تكون أكوامًا منتظمة مازالت باقية، بينما تضاف تلك الرفوف غير المتناغمة من المستطيلات، كنتُ أُسابق الزمن، وأنا أعمل خوفًا من فشلي، حتى داهمني التعب والإعياء يوم أمس، فاكتفيتُ بخلع قطع الخشب، وتركها على وضعها، منطرحة على الأرض، سارعت من فوري، حملتها جميعًا، واحدة تلو الأخرى، وأكملت الرف الذي يسع لرصفها عليه. الزمن يدب كما لو أنه مقيد بأغلال. كان بإمكاني الاكتفاء ببضع قطع منها لبناء المسرح الذي أرغب، وأنقذ نفسي من مغبة التمادي هذا.