فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 72

بالأمس شعرت بثقل القطع على انفراد برغم تشابه أشكالها وقياساتها قطع متناسقة مع بعضها، مثبتة بعناية تسع قامة الإنسان، وتحوي جسده وتضمه بإلفة، تحجبه عن الضربات الأخرى، حدود خشبية دافئة، وفراش صلب ذو رائحة خاصة، اختلطت فيها الأدوية والمطهرات، وفساد اللحم البشري، وتخثر الدم وتجلطه، ونتانة الأجساد، وتعفنها، رائحة البارود والتراب المحترق، خليط من الديدان المتحركة والمنبجسة من بين فتحات الجروح المتقيحة، ومن السيقان المبتورة، والمكممة، ذات الأعصاب المتدلية السائبة، والتي رسمت آخر ارتعاشاتها، حيث استقر الساق هكذا، واستنام الجسد وسط مستطيل تكاثرت أعداده، وآن لي كي أفككها، حملت آخر قطعة من خشب البارحة، وضعتها على مستوى آخر قطعة، ابتعدت قليلًا عن رفوفها المتراصة، وقطعة فوق أخرى، ولو أني حسبتها جيدًا لعرفت أنها أجساد متراصفة، مثلجة على بعضها، ترى من أين لي بهذه القوة، وقد أصبحت الرفوف متجاورة، وأنا أتوسط حدودها الملساء، والمتراصفة عموديًا، حتى السقف، حدود من الأجساد البشرية الساكنة، وأنا وسطها مثل نواة صغيرة تنبض بالحياة، أدب بينها، رفوف خشبية فاقت طول قامتي، فأخفتها -نظرتُ إلى باطن كفي، لاحظتُ أن آثار غرزات المسامير، وضغط الكلابتين، قد نحتت فيها ندوبًا وكدمات كنت أحدق بالصبي الذي يأتي عصرًا، دون كلام وينشغل بملئ كيسه الجلدي بالمسامير التي تتخذ لها أشكالًا متباعدة، يلمها جميعًا، مسمارًا إثر مسمار، يدب على الأرض، يلتقطها كالطير، إن وجوده المتقطع معي يملأني بالحياة، ويبدد وحشتي، كانت حركته الدؤوبة أشبه بدبيب صرصار على قطعة ورق، حركة تذيب كل الوحدة التي أنا فيها، الفاجعة التي يتركها الصراخ المنبعث من الخارج في داخلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت