فهرس الكتاب
أول مادخلت في اليوم الثاني، وأنا أصارع التردد مازلتُ، ملأتْ أُذني صرخة لم أسمعها من قبل، صرخة أفرغت كل أحشاء مطلقها. كان صوتًا نسائيًا، مفجوعًا بعدها، استمر الصراخ على شكل تنهدات وأنين متقطع وكان يصل إليَّ بطيئًا واهنًا، عبر سلك وهمي يدخل إحساسي، ويتسرب إلى خلايا جسدي، وأنا بين التردد والخوف، وفجأة فُتح الباب، وقذف بمستطيل خشبي اقشعّر له بدني، كانت جوانبه تقطر دمًا، معلقة فيه قطعًا من القطن الذائب المحمّر. لم أستطع المواصلة لدقائق، ثم ألفت المحال، فأخذت أسابق الزمن كي أكون بموازاة مايقذف نحوي من المستطيلات أوأزيد من دأبي ونشاطي في زمن يقودني وأقوده عبر قطع الخشب هذه، وبخطوات متواصلة من التفكيك والخلع، نجر خطواتنا، ونتمادى في الغور أنا والصبي، بخطوات أحسها ثقيلة ومتعبة، وموغلة في المجهول على إيقاع جديد، يتداخل مع الروائح والأصوات الخفية، التي تدخل كريح عاتية، يضيق بها الفضاء الخارجي، فيزداد ترددها في داخل الجوف كالعويل، فهو المستقر الأخير للأصوات والترددات، وأسرّة الأجساد المدماة تلك الأسرة المسيجة والمسقفة، لحظتها أدرك وأسمع أنين كل المستطيلات والخشب المرصوف بعناية، أنين ينبعث من الشقوق والثقوب ومكامن المسامير، أحمله داخل رأسي،حيث أُغادر المكان، يؤرقني أنين من انتابه الخور والانطفاء، أنين متواصل ينبجس من خطوط تماس القطع الخشبية مع بعضها ببكائية، تحاكي بكائية الخارج، ينام معي طيلة الليالي السابقة، أنين لجسد منطرح على أرض رطبة أو رخوة، لا تشهده إلاّ السماء النارية، كنت أتلقف نفسًا عميقًا، وأنا أنقل قطع الخشب بعد الانتهاء من تفكيك مستطيل واحد، حيث أضعها في الزاوية المعدّة بتراصف طولي، واحدة فوق الأخرى، حتى تعلو فوق قامتي، بعدها أحضر سلّمًا خشبيًا، وأسنده إلى جدار الخشب، وأبدأ بتسلقه حاملًا القطع، أرصفها مرة بعد أخرى، قطعة إثر قطعة، حتى السقف.