فهرس الكتاب
وبسرعة استطعنا بما كنا نمتلك من أدوية، ومطهرات أن نقف على مكان الجرح. كانت الرصاصة قد اخترقت البطن من الوسط قرب السرّة، أبدلنا ملابسه بصعوبة، شادّين على الجرح الفاغر بضغط قطع القطن المعقم على فوهته، متحلقين حوله، مرتبكين. نأتي على حركات أفعال من الصعب إدراك أسبابها وسط كابوس ناري قاتل، وأزيز متواصل. كانت أصوات الاستغاثة تصلنا من خارج البيت بينما الطائرات تثير في نفوسنا الرهبة والخوف من سقوط القذائف، بينما نحن متحلقين نراقب الجسد الذي داخله السكون، يفيض دمًا، حتى لتبدو قطع القطن ثقيلة جدًا. نستبدلها بأخرى، وأخرى- هكذا كان حالنا، وأنا أصغي لبكائها، مشدودًا إلى هذا الهاجس من الانتظار، عادًّا خطواتي، مرتبكًا مما قد يخفيه عني الزمن، متوجسًا خفايا الأيام، كنت منذ اللحظات الأولى قلقًا على هذا الفتى، منذ أن أطلق صيحته، وجاءت ابنتي تبث الخبر السار/ ولد، ولد ياأبتي/ فركت كفّي ببعضهما كان الجسد ساكنًا مقمطًا، أراه الآن مالبث يدفع دفقات الدم. كان يخيفني سكونه هذا، دونما حركة تنم عن حياة فيه / يا أبتي لا أدري لم يداخلني إحساس بأن مجيئي إليكم الآن لغرض توديعكم، إني أشعر بحاجة لسفر طويل/ هذا ماكان يقلقني فيه، حيث بدأ الظلام يجثم بكل اسوداده غير المألوف. انسحبت إحدى البناتِ إلى المطبخ، حيث أحضرت مصباحًا نفطيًا، وضعته على مبعدة منّا. كان الليل يلملم كل الأحزان في الأيام المنصرمة، فكيف به الآن، ونحن نتحلق حول جسده الساكن. كنت أتمنى لو تصدر منه تنهدة أو تأوة تشير إلى الحياة، بدل هذا السيل من الدم الذي لا محال سينضب من جسده.