فهرس الكتاب
كنت أستطيع المكوث هكذا، متطلعًا عبر النوافذ التي تتيح لي فسحة معرفة مايدور خارج الدار، لولا إلحاح الأم والبنات، كان اشتداد القصف وأصوات الإطلاقات متعددة المصادر يثير فيهن كوامن وأشكالًا من الخوف غريبة، حيث أصبحن كدمى موقوتة تنط في كل لحظة، مسكونات بالرهبة والهلع، ووقع المفاجأة يطلقن نظرات مليئة بالتوسل وطلب الشفقة، كنتُ أفسر ذلك بحالة التشبث بالحياة، لكن ماوسّع دائرة اليأس عندي، هو إطلاق العبارات التي تدعم وتؤكد تلك النظرات المشحونة بالتشبث، فقد ازداد الحصار أكثر. ومن الممكن سقوط قذيفة تائهة، تُحيل كل ماموجود إلى ركام مما شجعني على التفكير باختيار آخر، غير حالة المكوث، دون كل ساكني المنطقة داخل البيت، الكل غادروا ما إن ازداد السعير، وكانت الأم تؤكد مرارًا لو أسرعنا بالمغادرة لكان أفضل لكني أكدت لها/ أن الفرصة متوفرة أمامنا الآن مع علمي الأكيد أن أمر الخروج بات صعبًا وشائكًا وسط اشتباك النيران والقصف المتواصل الذي ينزل بشدة، يخفض كل منّا رأسه، كما لو أننا نحاول أن نقصّر قاماتنا، ونلتم على أجزائنا. قاطعي أنفاسنا، أو نلبث هكذا للحظات طويلة نجدها، سرعان ماتجري أحاسيسنا على غير ذلك، فمنذ لحظة قرار المغادرة، وأفراد الأسرة تحولوا إلى خلية جمعوا مايقع تحت أيديهم من الأغطية والمؤن، كانت لحظة تمنيت لو لم ينفذ فيها القرار هذا، لولا الإلحاح، الكثيف. كانت النيران شديدة، ورائحة الحرائق تنفذ إلى أنوفنا، لذنا خلف الباب، حيث انشطر جمعنا إلى قسمين، وأنا أحدق بالذي استطاع الإفلات من أسر البيت.. كانت الأم تقود ابنتيها، والرمي يشتد، ونحن نراقبهما، يلوذون بالأشجار وأسيجة البيوت، لحظة سقطت الأم وفرت البنتين مبعثرتين. أسرع ولدي الأوسط خارجًا، وحين أدركها ترنح وسقط على الأرض، كان جسده يرتجف، ويرتج على تراب ناعم وحصى دقيق. فرّت مني صرخة، ثم أسرعت مع ولدي الأكبر إلى الخارج. أدركتها بسرعة، جمعت البنتين وأوصلتهما إلى باب الحديقة، ثم عدت مع ولدي لسحب الأم. بدت ثقيلة، حاولت، كانت متشبثة بولدها طريح الأرض، ولا أدري كيف استطعنا إعادة الجميع إلى الداخل، والاستقرار في باحة الدار التي سرعان ما امتلأت أرضها بالدم القاني، كانت إصابتها بسيطة، سرعان ماسكنت من الألم، ولربما انشغالها بابنها بدد ألم الرصاصة التي ثقبت عظمة ساقها. كان جسده ينزف، غائبًا عن الوعي، تفحصته جيدًا، بدا قطعة من الدم، متقوع في حوضه،