فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 72

-لا أدري من ابتلي منا، ولكن أعتقد أننا ذقنا المرارة سوية كالآخرين.

التقت نظراتهما، داهمهما الصمت، كما في كل يوم، حاولا الشروع بالحديث عن الأيام الخوالي، ووحشة الليالي بالنسبة إليه، وفراغها بالنسبة إليها.

5-اعتياد:

تواصل مع ما استجد في حياته، ثم أخذت معرفته تتسع أمام تشكيلة العائلة، لكنه شعر بغموض، حاول أن يستقر على أسبابه، ولمرات أدرك المقارنة بين وجوده بينهم وابتعاده عنهم، كل تلك السنين، خصوصًا أن كل مايدور هو ضمن تملك الزوجة، أما هو، فيوزع نظراته عليهم، ويتلقى تحياتهم، يراهم مثل سواقي أو خراف تنقاد نحو الحقول والمصبات التي يجدها غامضة، مجهولة، أدرك ثمة مسافة طويلة تمتد بينه وبينهم، هي أرض صفراء ذات عشب صحراوي قاسي، إذ بدأ ذهنه يستيقظ أكثر.

6-مفارقة:

تراكمت الأيام، وهو مسور بذات الإحساس من الوحشة، والغربة، بينهم، خصوصًا مالاحظه على أولاده الموزعين مع الأيام، واللاهثين وراء لقمة العيش والمنطوين على أسرار لا يعرفها. وكلما تمادت الأيام بالجريان ازداد تراكم مثل هذه الدهشة، خاصة أن حالة الانبهار بعودته أخذت بالأفول والتلاشي حيث وجد نفسه متروكًا في زاوية من البيت، لاهمَّ له سوى النظر من حوله، وترسبت في قاعه مشاعر مليئة بالخيبة، كل مايدور حوله على غير ما يدرك، إذ وجدَ صعوبة في الوصول إلى مايحلُ مشكلة كهذه... بدا مؤرقًا في الليالي الطويلة، وهو ينتظر مجيء ولده-علي- كان يتأمله في الصباح أثناء الفطور، ولا يستطيع السؤال حول تأخره في الليل، لكنه اضطر أن يسأل زوجه عن ذلك، فكان الجواب فيه فسحة من الحث على عدم التدخل في حياتهم، فالحياة هكذا أصبحت، ومن الصعب تغيير حركتها وجريانها. وحين كرر السؤال أجابت بمرارة من تراكمت في نفسه الخيبة لأنه اعتاد السهر مع أقرانه، مثلما اعتدت أنا العمل في النهار لإعالتهم.

7-خروج:

في الصباح، لاحظ أنه يختلف عن كل الصباحات، لم يسأل عن شيء، تناول فطوره، وجلس ريثما خرجت زوجه إلى السوق، وتسرب الجميع عنه أطفأ سيجارته، متجهًا إلى الخارج، ولحظة مغادرته اصطفق الباب خلفه، محكمًا إياه، موليًا وجهه نحو مداخل المدينة التي لا يعرف عنها شيئًا، ولم ترد بباله أن يضع علامة يستدل بها أثناء عودته إلى البيت، بل ترك قدماه تنهبان المسافة على عجالة ودون هدي واضح...

تشرين الثاني 1996.

المدفن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت