فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 72

كانت استجابته كما لو أنه يتناول طعامه كسائر الأيام، وعند دخوله البيت استقبلوه بانفعالات لم يعترض عليها، ولم تكن له القوة على التعليق، كل الذي فعله، أنه وزع نظراته حولهم متفحصًا هيئاتهم، وتوزعهم، ببرود واضح.

2-إغفاءة:

كعادته في الأيام والسنين الخوالي، استسلم للنوم، وهم بانتظار استيقاظه. غرق في ملكوته أكثر، حتى ظن الجميع أنه قد فارق الحياة، لولا حركته المفاجئة، لحظة فتح عينيه علىالنور الذي ملأ بؤبؤيهما، فركهما بكفيه لاحظ بضع صبيات وصبية يتحلقون حوله أدرك من بينهم زوجه التي ابتسمت له بينما نشر نظراته حول الباقين متفحصًا إياهم باندهاش، لحظتها عرف أنه ابتعد كثيرًا عن مكانه الذي طال مكوثه فيه، وأنه أمام مكان وأشياء جديدة، قال:

-هل تحولتم من بيتكم السابق؟!

حدقت به الزوجة بأسى، قالت:

-بل غيرنا مدينتنا كما ترى..

لكن تداخل في رأسه هاجس مرددًا لنفسه، وهو يقلب الصور، آه لو تعلم كم عدد الأماكن التي تحولت نحوها. بينما شعرت الزوجة بذات الهاجس المرّ / مرددة/ صار تحولنا من مكان إلى آخر فخاخًا ينصبها لنا أصحاب البيوت والعقارات والسماسرة.

3-إدراك:

وهو يحدق بالجميع، شغلته حالة الهدوء التي تجلت بها الصبيات، فاستقر في نفسه شعور، ثم اتسعت رؤيته اتجاههن، وهنَّ ينظرن إليه مثل قطط حذرة وهو يحاول اجتياز منطقة غامضة.. وحين وصلت الأم، قال،

-من تكون تلك الصبية؟!

قالت: - إنها ابنتكُ، واحدة من التوأم الذي ولدته بعد فقدانك..

-وهل ولدت توأمًا...؟!

-نعم توفيتُ إحداهما..

-ياللأسف، وهل كبرت هكذا..؟!!

-ودخلت المدرسة وهي الآن تتقدم في الدراسة عكس الأولاد.

-وأين سميرة؟!

-لقد تزوجت..

-الحمد الله، وهل أعرف زوجها؟!

-لا أعتقد ، لكنه إنسان طيب.

-وبقية الصبية والصبيات؟!

-إنهم أبناؤك، هل نسيتهم...؟!

-كلا، بل فارقتهم صغارًا كما تعلمين.

4-حوار:

-لقد عانيت كثيرًا يا أم علي!!

-بل أنت من عانى هناك.

-كنت مشغولًا بكم، ولكن بمرور السنين والانقطاع تلاشى كل شيء. أحس بأنه مازال يكبت شيئًا، ولا يفرط في البوح به ، متلمسًا رقبته، إنها تؤلمه، أخرج من جيبه علبة الدواء، فتحها ملتقطًا حبة منها، دفعها داخل جوفه على عجل، والزوجة تحدق فيه بأسى دون أن تتفوه، قالت:

-حدثني عن كل شيء؟!

-عن ماذا أحدثك..؟ الحكايات كثيرة وطويلة.

-بل حدثيني أنتِ.

-بلواك أكبر من بلواي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت