فهرس الكتاب
حين ابتدأتْ تباشير الفجر، كنتُ قد أعددتُ نفسي. كان كل شيء هادئًا، سمعت من يدير قفل الباب ويخرج، كان الفجر واضحًا، حيث ابتدأت العصافير تصدر زقزقتها على الأشجار، وتتزاحم، بينما همد الجميع، في الردهات، خرجت ببطء إلى الفناء، حدقت في الباب الرئيسي لم أجد أحدًا قربه، عدت إلى السرير، أيقظت أبي، انتزع نفسه بصعوبة، كان لمفعول الدواء أثر واضح على جسده، حدق بي، عانقني، كأنه يراني لأول مرة، ابتسم، أخذته من يده نحو الفناء، وسرنا بحذر. وكانت الردهات على غفوتها تصدر منها أنفاس النزلاء، ولهاثهم، حاولت أن أكون هادئًا وأنا أُدور مزلاج الباب الحديد، وحين حللنا خارج الجناح تنفستُ براحة، كأن أثقالًا ضخمة قد أُزيلت من على جسدي، قدته عبر الممرات المحفوفة بالأشجار، بينما لاحظتُ أن الأجنحة الأخرى قد بدأت تستقبل حركة الفجر، فرحت لذلك، وما زالت فيَّ رعشة الليل وصقيعه، فقد كبلتُ جسدي بالوهن، غير أني حزمت أمري، وجددت طاقتي، وأسرعت معه، كان يتعثر بسيرة الواهن القوي، ولحظة مثلنا أمام الباب الرئيسي، فرحتُ أيما فرح، وأنا أشاهده مفتوحًا، بحيث بدت حركة السيارات على الشارع الرئيسي أمام المستشفى، ازدادت سرعتي نحوه. عليّ اجتياز البوابة، والخروج إلى الشارع، حيث أُطلق المكان نهائيًا، كانت أقدامنا تقترب من البوابة، وشيء مايداخلني، كالضحك أو الفرح، متناسيًا كل التعب الذي عانيتُ.. وما إن انتقلت أقدامنا إلى الخارج، حتى أحسستُ بيد ما تمسكني وتمسك أبي بقوة، يد قوية، سيطرت علينا نحن الاثنين.. يد أعادت كل التعب إلى جسدينا.. حيث تسمرنا على الأرض بثبات ولم يصلني سوى أنين الرجل وتثاؤبه، حيث قال لزميله في غرفة الاستعلامات:
-استيقظ ، ثمة نزيلان يحاولان الهرب في هذا الفجر..
-واقتادنا سوية عبر الممر المحفوف بالأشجار..
أيار 1987
العائد
1-دخول
سرعان ماانقاد نحو مستقره، دونما مقاومة أو اعتراض. كانت رحلة طويلة جدًا. بدا وسطها مثل بندول يدور حول نفسه. إذ تعود الانتقال. والتغيير ومطالعة الوجوه المتورعة، يصغي ثم يصغي، وبمرور الزمن صار إصغاؤه لا يفضي إلى شيء، فهو لا يسمع مايجب، بل يدرك مايحرك أحاسيسه التي بدت مثل الجليد المتراكم.
فقط يوزع نظراته من حولهم، ومن فوق الأشياء، ثمة شيء يتلاشى من رأسه يبدو نائيًا، حيث يذوب مثل حبة ثلج. ولحظة أن طلب منه إعداد أشيائه.