فهرس الكتاب
لاحظته يضيف قطع من القماش النظيف إلى كمية قليلة من القطن، تكون بمواجهة الجرح، بينما يغطيها بقطع من القماش، وحين تترطب، يضيف إليها أخرى وأخرى، لحظة بدا السكون يريم على كل شيء. سكون مخيف وثقيل، لبثنا لعدة ليالي انصرمت بصعوبة بالغة. كان الليل يزحف على أجساد مرهقة، أتعبها الجري داخل البيت، وصور الموت المرتقبة، الموت الزاحف ببطء نحو أجسادنا المهددة. كان انتظارنا للموت المفاجئ حالة اعتيادية، لكن صبرنا كان مايعيننا، صبر من استسلم لحال مفروض، بحيث أصبحت الحياة والموت صورًا متداخلة مع بعضها، يشغلنا شيء غامض، لابد من الوصول إليه، لا مساحة للأحلام في رؤوسنا، عدا تلك الصور المتشبثة بالخلاص، لبقعة من البرّية، أو حقل أو مقبرة، نلوذ بها كما فعل الجميع، نستكين داخلها أو جوارها، وسط زمهرير الصقيع، نلّم أحلامنا المشتتة، وسر وجودنا . أي علاقة هذه التي تقتل كل أمل إلاّ الخلاص من المصير هذا، لقد أصبح البيت بالنسبة لنا مقبرة واسعة، ستنهار جدرانه في كل لحظة قادمة، بينما أجسادنا انتابها إعياء الجوع والإنهاك، شعرت كما لو أني عائدٌ توًا من مطاردة دامت طويلًا. ركضت كثيرًا خلالها، حيث لذت بالأرض، كانت المطاردة غامضة. أشباح تجري خلفي، متباينة الألوان والهيئات، متشبثًا بشيء غامض، ربما هو ضوء باهر، لكنه كامن في نقطة بعيدة، وكم حاولت أن أصله وأمسك ولو بخيط من ضوئه لأبثه في كل زاوية من هذا الكون، وأنشدّ إليه، لكني بصعوبة أدركته، غير أنه ابتعد و حاولت، وحين أدركته أفلت من بين أصابعي، لحظة، كانت المطاردة على أشدها، لقد أدركتني السيقان المطاردة، وكانت كف تمسك بي من الكتف كي توقفني، وأنا أقاوم، بمضاعفة الركض خوف أن أقع فريسة بين أيديهم، لكن المطاردة ازدادت، ولشدة ما أدركني الهلع وأنا أحس بسخونة تلك الكف المتقدة، وهي تمسك بي، حتى انتبهت، وجدتُ ولدي مايزال يراقب جسد أخيه النازف، نظرت إليه، وفهم ما أقصد، هز رأسه بالنفي، في حين دقت الساعة مابعد منتصف الليل بكثير، حيث أدركنا الإمساك، لبثنا هكذا صيام لأيام وليال دون أن تدخل في أجوافنا كسرة خبز، استيقظت الأم مفزوعة، وتساءلت على عجالة، ثم هدأت قائلة/ اللهم اجعله خيرًا/ تذكرت حلمي، ثم سكنت محدقة بالجسد الممتد بيننا دونما نأمة تذكر، تنبهت البنتان لحظتها قام كل منا، وانشغلنا عنه بأداء صلاة الفجر. كان ساكنًا مازال، لحظة ابتدأت الإطلاقات بالنهوض المبكر من مكانها