فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 72

والطائرات تحوم بأزيزها، انبثق النور ببطء منتشرًا ببياض ناصع، كشف عن كل ما موجود، حينها اقتربنا من الجسد أكثر، فاجأتنا حركته، فتح عينيه، وحدق بنا ابتسم ثم قال:

-أين أنا..؟‍!

قلت:

-في البيت بين أهلك.

قال:

-الحمد لله، كانت رحلة طويلة تلك التي قضيتها.

استغرب كل منا لذلك، قلت في نفسي، أية رحلة يعني، استدركت قائلًا:

-إهدأ ، أنتَ في بيتكِ والجميع معك.

-وأمي.. أين أمي لقد حاولت إنقاذها ، هل أفلحت؟!

-إنها بخير، إنك أنقذتها يابني.

اقتربتْ منه، رآها، عادت الابتسامة إلى شفتيه، قال:

-أنا جائع يا أبي، أريد قليلًا من الحليب والخبز والتمر،

لم أتسحر بعد.

-لقد حان الوقت ياولدي.

إذ أسرعتْ إلى المطبخ، علىعجالة أحضرت ماطلب، أخذ القدح بكفيه وراح يرتشف منه أول الأمر، ثم سكبه في جوفه دفعة واحدة، وأخذ يلوك من قطع الخبز وحبّات من التمر، تناولها وهو يبتسم، بينما وجهه بدا على اصفرار قاتل، فقد نزف كثيرًا، تذكرته وهو يقول، لقد تعجلتُ في الإجازة لأكون بينكم، استبدلتها بإجازة صديقي وفقه الله، حدقت به، كان قويًا ، ليس بجسده الناضب بل بقوة خفية فيه، تعيد لجسده الواهن المقاومة، حيث بدت قطعة القطن والقماش أقل رطوبة، وكانت حركته وأحاديثه أثناء النهار، قد أبعدت عنّا شبح الوحدة، فاستطعنا أن نتناول طعام الإفطار معه، ونام كل منا قليلًا، أيقظني ولدي في منتصف الليل، وحين نظرت إليه أدركت الأمر، خنقته حشرجة أيقظتهم جميعًا، مسبحيين ومبسمليين كأن شيئًا ما قد هيمن بثقله عليَّ. لم أستيقظ إلا والأم تهدئ من روعي، وهي تقرأ آيات من سور القرآن الكريم عند رأسه، حيث شاهدته مغطى بشرشف ملون، لحظتها قررت مغادرة البيت فورًا، تحت جنح الظلام، وإلاّ كانت المصيبة أعظم. وافقني الجميع، لكن الأم اعترضت قائلة، هل نتركه هكذا لوحده ولا نعرف متى نعود/ وقتها تماسكت، ورحت أبحث عن طريق أسلكه، وإلاّ فات الأوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت