فهرس الكتاب
وازداد إلحاحها يومًا بعد آخر، وأنا أُدير الحديث وجهة أخرى تخلصًا من إصرارها، وبشتى الأعذار، غير أن إلحاحها، لم يفتر أو يقل، بل كانت تكرر ذلك مرارًا، تحرض الأطفال على ذلك. واستمر حالي هكذا. أذهب إلى المدينة، مصطحبًا معي صرة الطعام في الصباح الباكر، عائدًا في ساعة متأخرة من المساء، وقد اعتدت على مثل هذا العمل، فأنا لا أمل من ملاطفة الأطفال، أُبدي لهم حركات مناسبة، وهم يقابلونني برمي قشور الفاكهة نحو جوف القفص، أو حبات الرقي ، وتكورات بذور الذرة الصفراء المطبوخة، أمد كفي إلى الأرض والتقطها، ثم أضعها في فمي، إذ تسقط داخل الجلد اليابس، فيبدي الأطفال فرحهم لمثل هذه الاستجابة الماهرة ويزداد تعلقهم بهيئتي وسلوكي معهم، وتدمع عيون أكثرهم من الفرح، غير أني سكنت فجأة داخل كيسي، وأنا أُقلب هيئات أفراد عائلتي بين الجموع . كان الأولاد جميعهم برفقة أمهم، متجهين إلى الجنينة، واللهفة بادية على وجوههم لرؤيتي، تجمدت في مكاني، ولم أستطع إطلاق حركة ما، مما لفت نظر الأطفال من حولي، حيث اندّس أولادي مع الجميع، قال أحدهم:
-لقد سكن الغوريلا انظروا إليه.
قال آخر:
-ربما يشعر بالتعب إنه عجوز..
-حقًا، إنه غوريلا بائس، وعجوز يتعب بسرعة..
قال أحد أولادي:
-إنه كبير السن يا أمي وحزين، كم أحبه هكذا.
قالت الأم:
-يبدو هكذا، كلنا سوف نكون مثله تمامًا يومًا ما.
-لكنه أكثر حزنًا من الحيوانات الأخرى...؟!
-ربما هو حزين على أولاده الصغار.
قال الولد الكبير:
-أُمي لم نشاهد أبي في الجنينة..؟ ألم يذكر المدير مكان عمله هنا..؟!
ابتسمت الأم مؤنبة، ثم قالت:
-كيف..؟! هل تعتقد أنك تجده داخل الأقفاص مع الحيوانات المفترسة هذه؟!!
-في أي مكان يكون إذًا.؟
-في المكان المخصص لعمله، حيث يدير الجنينة.
-حقًا إنه يديرها بنفسه..
كنت أراقب حركاتهم، أصغي إلى حواراتهم، وأنا بين مصدق نفسي ومكذبها، لكني صدقت، كانت مسافة قصيرة تفصلني عنهم، رمى أحدهم قشور البرتقال باتجاهي، مددتُ كفي باتجاهها، كورت أصابعي حولها ثم رفعتها من على الأرض، وأطبقت عليها بأسناني... ومضغتها فعلًا، فما زاد من ضحك الأطفال وفرحهم، قال أحدهم:
-لقد استعاد العم العجوز نشاطه..