فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 72

كنت أراقب الزملاء جميعًا، وهم يضجون داخل أقفاص الحديد، سواء في بدء العمل أو أثناءه، حيث يبدون حركات تطرد عن أجسادهم خمول النوم، ثم يندس كل منهم داخل جلده، ويبدون حركات من باب التدريب الصباحي أو المسائي، بعدها يغادرون كل من بابه الذي يؤدي إلى قفصه المخصص له.

كانت بينهم ألفة غريبة، مزيجة من عالم الحيوان والإنسان، حيث لم أجد ثمة مايبعدني أو يفصلني عنهم ، خصوصًا ما أكدوه من أني أقوم بعملي بشكل جيد وملفت للنظر... كنتُ أداعب الأطفال و أثير فضول المارّة في الجنينة، ولا أدري هل هذا متأتي من شكلي البائس؟! أم من الحزن الذي يظهر على وجه الحيوان المسكين؟! هذا الذي أدخله كل يوم.. أم من محبتي الكبيرة للأطفال منذ كنت معلمًا..؟! كل الذي أدريه، هو إلفة الأطفال وانشدادهم نحوي، مما أخافني كثيرًا، إذ ربما يثير مثل هذا فضول الآخرين، داخل أقفاصهم، بحيث يبعد الأطفال عنهم، فيسري الملل والخدر إلى أجسادهم، ويطول يومهم الحار مرميّين ومحبوسين داخل أقفاص إجبارية.

كان ذلك قد شغلني، لذا بدأت أقلل من حركتي، وأكثر من السكون في مكان قصي عنهم داخل القفص، منعزلًا حزينًا، عابثًا بأصابع كفي، لكن الذي أثارني وبمرور الأيام، هو شدة ارتياح عائلتي، بما يوفره لهم الأجر الأسبوعي، فاطمأنت نفسي، وخف قلقي عليهم. فحمدت الله على نعمته لكن ما أفسد عليّ طعم المذاق الحلو، هو ما أبدته زوجي، ذات يوم ودون سابق إنذار، قالت:

-أرجوك اسمعني، منذ فترة وأنا أود أن أفاتحك في الأمر..

-قلت:

-على راحتك، قولي ماتشتهي نفسك ولا تتهيبي،

-الأطفال.

-ماذا بهم.؟!

-إنهم يودون زيارة المدينة، وقبل ذلك كنت أتهيب بسبب شحة المال لدينا، أما الآن والحمد لله، فأنت موظف فيها وبإمكانك اصطحابهم معك.

أربكني قولها. أول الأمر، غير أني تماسكت قائلًا:

-كلا، لا يمكن ذلك الآن، فمدير المدينة لا يسمح ، انتظري فترة، ريثما أُرتب الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت