فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 72

وأخذ يسهب في الحديث، ومن ثم الدخول في التفاصيل التي وجدتها زائدة فهي إن حاولت إقناعي في طبيعة عملي، فإنها قد أدركت قناعاتي التي لابد منها، ضعت وسط دوامة خارج الجنينة، في الحياة الواسعة التي ضاقت أكثر من الأقفاص الحديدية تلك.. قاطعته قائلًا:

-لابأس، إنه عمل على أية حال، الحمد لله على كل شيء.

نظر نحوي مطمئنًا إلى قناعتي الظاهرة، قال:

-إن عملك سيكون داخل هذا الجلد.

وأشار بإصبعه إليه كان رابضًا في زاوية غير بعيدة عنا

-إنه الغوريلا، كان صاحبه رحمه الله يدخله كل يوم متجهًا نحو القفص الكبير من هذا الباب، وهو حيوان لايتطلب حركة متواصلة، بل يداعب الأولاد والأطفال، ويثير فضولهم هكذا، إنه يناسب سنك كما تلاحظ.

نظرت إليه، كان غوريلا يائسًا وعجوزًا، هذا الذي سأدخل جلده، وأستقر داخله عجوزًا أيضًا، ولكن بمثابة حيوان متمرس في حيوانيته، لذا فالأمر يتطلب المرونة والتدريب على حركاته وسكناته، وانتقالاته داخل القفص، وطريقة جذبه للأطفال كبارًا وصغارًا، قلت في نفسي، سأتدبر الأمر، ثم نظرت إلى الرجل قائلًا:

-متى سأبدأ عملي هذا..!؟

-متى شئت، ولكن الأمر يحتاج إلى بعض التمرينات التي سأرشدك إليها، فهي تكسب جسدك مرونة تساعدك.

انظر إلى ماأفعله بنفسي أمامك.

اقترب من هيكل الغوريلا، ثم اختفى وراء ظهره تمامًا، بعدها لاحظت الحيوان تدب فيه الحياة فيتحرك في مكانه، رافعًا يديه إلى الأعلى يربت على صدره بكلتا كفيه، بعدها تحرك باتجاهي، رحت أحسب حركاته وسكناته، وهو ينتقل من مكان إلى آخر، ويقترب مني، أدار ظهره لي، وبسرعة غادر جلده بمهارة، مبتسمًا، وأنا أشاركه ابتسامته، التي تحولت إلى ضحكات خافتة ورزينة. قال:

-هذا كل شيء، بل مايتطلبه منك الأداء، كنت من يشغله بعد وفاة زميلنا المفاجئ:

قلت:

-سأكون عند حسن ظنك.

ومن يومها، وأنا أختفي داخل الجلد الجاف، والذي يظهر للآخرين من خلال كثافة شعره حيًا. وبعد أن أديت تمرينات عضلية، حسبتها زائدة، لكني أدركت عظمة فائدتها في حمل الجلد، والتحرك داخله بسهولة، ويسر، مما يوحي بتلقائية هذا الكائن الأليف الذي يثير الأطفال وذويهم وقد أشار الرجل بعد أن وجدته يراقبني بين الجميع المتطلع من وراء القضبان.

-إنك تجيد ذلك بمهارة صديقنا الراحل.

-وهذا مما يسهّل علينا الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت