فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 611

بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ - يعني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال أبو سفيان: قلت: لا! ... إلى أن قال هرقل: وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرتَ أن لا! فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله [1] .

فكانت حكاية نوح تسلية للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مما حدث من قومه، ولكنهم مع ذلك لم يكونوا يكذبونه كما ذكر القرآن الكريم تثبيتًا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإذهابًا للحزن عنه حيث قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] ، ويحتمل أن يراد به أمين من جانب الله تعالى على الأمة التي أرسل إليها، والتأكيد أيضًا لتوقع الإنكار منهم [2] ، تلك الأمانة التي تدلنا على صدق الرسول في الوحي وغيره مما أخبر به، هي رد قاطع على"وات"في هذيانه من بدايته إلى نهايته.

الأمر الثاني: الذي سقنا بسببه هذا المبحث، وهو مشاركته أهل مكة حتى وصل إلى هذه الدرجة بينهم.

أشرنا في الأمر الأول إلى أن ارتضاءهم لرأيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتنفيذهم له لم يكن من فراغ، أو انكفاء على الذات، أو مقاطعة أو انشغال عن أحداث المجتمع، بل جاء إسهام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القضايا الكبرى وغيرها التي عاشتها مكة آنذاك مغطيًا شتى مساحات العمل البشري، عاملًا في كل اتجاه، حتى قالت له خديجة - رضي الله عنها - «والله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتَصْدُقُ الحديث، وتحمل الكلَّ، وتَكسِبُ المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق» [3] فكان يبني كل هذه النشاطات عبر شخصية قادرة على التصدي

(1) رواه البخاري (6) ، كتاب بدء الوحي.

(2) انظر العلامة بن عاشور،"التحرير والتنوير" (158 - 159/ 19) .

(3) البخاري، (4572) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت