فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 611

وإن قلة عدد أفراد تلك السرايا والغزوات لينبيء بتوفير العدد الأكبر للقيام بتلك المهمات وتوسيع قاعدة الدين بزيادة رقعة الإسلام وتعميق أثره في النفوس، وزيادة المنضمين إليه، وذلك بنشر الهدى من العلم النافع والعمل الصالح والدعوة إلى الله تعالى، كل ذلك طاعة لله تعالى، وانتظار مذخور ثوابه، وتأهبًا لكل طارئ، وتربصًا بكل هاجم، وتجهيز القوة لتأديب المجرمين يوم يتطاولون.

وقد ذكرنا ما سبق لنرد على المستشرقين القائلين بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينما صار رئيسًا سياسيًا في المدينة تغير عما كان عليه في مكة بحيث صار الطابع السياسي يزداد بروزًا، والطابع الديني يزداد تراجعًا. [1]

وتكملة لما سقنا من ردود، فلابد من القول إن أحكام الدين في تفضيلاتها، والطابع الديني للدعوة ما اكتمل وطهر سواء بنزول أحكام الشريعة، والدعوة إليها والتمسك بها، وتعلمها وتعليمها إلا في المدينة، إن الواجبات والسنن الشرعية والعلاقات الإيمانية والإنسانية والسلوكية التى ميزت المسلمين، كل ذلك كان في المدينة، فالواقع يخالف كلام فلهاوزن [2] ، وغيره من المستشرقين ببروز كل ما يتعلق بدين الإسلام في المدينة، إذ كان المسلمون في مكة لم تتنزل عليهم تلك الأحكام، فضلًا عن اضطهادهم، وتخفيهم بدينهم.

وما كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليتبعه في بدر أولئك المقاتلون في سبيل الله، مع بقاء غيرهم وأكثر منهم في المدينة لو كانوا يعلمون أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سيواجه حربًا ما تخلف منهم رجل واحد.

(1) انظر فلهاوزن، تاريخ الشعوب العربية (5 - 6) ، ترجمة الدكتور محمد عبد الهادى أبو ريدة مراجعة الدكتور حسين مؤنس، ط 2، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر 1968 م.

(2) ولد في مدينة هاملن في سكسونيا السفلى بألمانيا، درس اللاهوت وعمل مدرسًا في ميدان تاريخ العهد القديم منذ 1870 م، عمل أستاذًا للاهوت في جامعة هامبورغ وجامعة غرايفسفالد، عمل أستاذًا للغات الشرقية في جامعة هاله، عنى بالدراسات العربية، وله كتاب «بقايا الوثنية العربية» ، اعتمد فيه على كتاب «الأصنام» ، للكلبى، ترجم كتاب «المغازى» ، للواقدى بعنوان «محمد في المدينة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت