فهرس الكتاب
ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف , وإلى ظاهر اللفظ اللغوي , بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده , وفضل يقتدحه العقل من زناده) [1]
من كل ذلك تعرف أن السابق إلى النفس بالنسبة للمبدع هو المعنى , وأن السابق إلى النفس بالنسبة للمتلقي هو اللفظ.
وهذا يوصلنا إلى نقطة أخرى , أنارها ابن طباطبا في عيار الشعر , وهي: موطن عمل الأديب , أي: مالذي يشغل بال المبدع إذا أراد إنشاء شعر , أهو اللفظ أم المعنى؟
وهذه القضية ظاهرها نقد , وباطنها بلاغة , لأن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال , إذن هناك حال يستوجب مجيء الكلام موافقا له , فالحال أولا , ومن الحال المعنى والغرض .... إلخ
وابن طباطبا في كلامه يشير إلى هذا فيقول: (إذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا) [2]
وتمخيض المعنى وتصفيته , وتحريره في عقل المبدع دليل على أنه وُجد أولا , واستقر في القلب , وشغل الفكر , ثم تأتي الموهبة لتخرج هذا المعنى في صورة شعرية مكتملة , من ألفاظ وأوزان وقواف.
بل إن ابن طباطبا يستحسن وجود المعنى في قالب نثري , قبل أن يلبس الشكل الشعري , لذلك قال: (في فكره نثرا) , بحيث يظل هذا المعنى في صورته إذا نقضت القصيدة , وجعلت نثرا , بل ويقول (وإذا مرّ للشاعر معنى يستبشع اللفظ به لطف في الكناية عنه) [3]
فالذي يمر أولا هو المعنى , والذي يستدعى ويستجلب هو اللفظ , كما أنك تلحظ ثباتا للمعنى وتحولا , وتغيرا للفظ حتى يوافق المعنى.
وهذا يجعلك لا تثبت للمعنى الأسبقية فقط , بل تثبت له أسبقية العمل , والتجويد , والإحكام , فالمعنى - كما أفهم - كاللفظ يحتاج إلى أن ترسم ملامحه , وتحد حدوده , ويُعقل مجردا من الألفاظ , فإذا استطاع الشاعر أن يصيده ويحوزه ,
(1) = أسرار البلاغة / 3
(2) - عيار الشعر / 11
(3) = عيار الشعر 128