الصفحة 73 من 103

ويقيده بدأت عملية الكشف عنه , وخروجه إلى عالم الناس في ألفاظ وصور , وهو ما يعبر عنه بإلباسه الثوب اللائق به ,وهذا عمل شاق جدا , حيث يظل الشاعر يفتل للمعنى في الذروة والغارب حتي يظهر , وكأنه روح سكنت بداخله تتابى على الظهور , إلا إذا وجدت من اللباس ما يلائمها , وهذا مفهوم من كلام بشربن المعتمر (من أراد معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما) [1]

أي: حتى يظهر , وإلا فما معنى: فليلتمس؟

وهذا الفهم الذي يدور في عقل ابن طباطبا , ويفهم من كلام بشر أيضا ينقضه عبد القاهر - رحمه الله - ويقول: (كيف يتصور أن يصعب مرام اللفظ بسبب المعنى , وأنت إن أردت الحق لا تطلب اللفظ بحال وإنما تطلب المعنى , وإذا ظفرت بالمعنى فاللفظ معك , وإزاء ناظرك) [2]

فالإمام هنا يضاد فكرة التفكير في اللفظ , وينكر أن يكون هناك استدعاء له أثناء عملية الإبداع , بل إنه يعتبر استدعاء اللفظ ضربا من المحال , فيقول (وإنما كان يتصور أن يصعب مرام اللفظ من أجل المعنى , أن لو كنت إذا طلبت المعنى فحصلته احتجت إلى أن تطلب اللفظ على حده , وهذا محال) [3]

والذي يُطلب فقط في فكر عبد القاهر هو الترتيب , ترتيب الألفاظ في النطق , ولا أرى هنا إلا أن أقف مع ابن طباطبا , لا لشيء إلا لأنه شاعر , عالج الأمر وعاناه , وأدرك ماذا يحصل للشعراء , حين يريدون التعبير عن المعاني المعتلجة في صدورهم , فلا يستطيعون , ويصور الفرزدق هذا الأمر فيقول: (أنا عند الناس أشعر العرب , ولربما كان نزع ضرس أيسر علي من أن أقول بيت شعر) [4]

إذن تستطيع بعد هذا أن ترى فكر ابن طباطبا من خلال ما سبق , والذي ألخصه لك في ثلاث جمل:

علاقة اللفظ بالمعنى علاقة روح بجسد.

السابق إلى الفكر أولا هو المعنى.

والذي يجهد فيه الأديب هو اللفظ بعد أن يكون قد حصل المعنى.

(1) -= البيان والتبيين 1/ 43

(2) = دلائل الإعجاز / 42

(3) دلائل الإعجاز / 42

(4) -- البيان والتبيين 1/ 41

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت