الصفحة 74 من 103

والأمور الثلاثة مندرجة تحت علاقة اللفظ بالمعنى.

ثم تبقى الركيزة الثانية في هذه القضية, وهي مرجع المزية كما يراها ابن طباطبا.

وحين أتحدث عن مرجع المزية إنما أتحدث عن مرجع البلاغة , لأن المقصود هو بلاغة الكلام , وحسنه , وفضله الذي بزّ غيره.

والذي جعل هذه القضية تظهر على سطح الدراسات النقدية مقولة الجاحظ:

(والمعاني مطروحة في الطريق) وتزداد هذه الجملة قوة بجملة أخرى وهي:

(وإنما الشعر صناعة وضرب من النسج , وجنس من التصوير) [1]

وظاهر هذا أن الجاحظ يرجع بالمزية إلى الصياغة والتصوير , وأن المعاني العامة التي يعرفها العجمي كما يعرفها العربي , ويعرفها البدوي كما يعرفها الحضري , لا توصف بفضل , ولا يقع فيها تمايز , وعليه(فإنه لم يقدم شيئا على شيء , أي أنه لم يقدم اللفظ على المعنى , ولا المعنى على اللفظ , إنما قدم الصياغة الشعرية , وما تولد منها من معان شعرية في باب نقد الشعر على المعاني العقلية غير الشعرية , أي: التي لم تتولد من الصياغة , فهو إذا لم يقدم شيئا من مكونات الشعر على شيء من مكونات الشعر.

هو يقدم مكونات الشعر صياغة فنية ,ومعنى شعريا متولدا منها على شيء ليس من مكونات الشعر, وليس من رحمه ولا جنسه, بل هو من رحم العقل وجنسه) [2] ولم يبعد ابن طباطبا عن هذا إذ إن المزية ترجع إلى كل من اللفظ والمعنى , دون علو لأحدهما على الآخر , وإذا كانت الأفهام تلتذ بحسن المعاني , فإن السمع يلتذ بمونق الألفاظ , والفضيلة ترجع إليهما جميعا (فمن الأشعار أشعار محكمة, متقنة أنيقة الألفاظ , حكيمة المعاني , عجيبة التأليف , إذا نقضت وجعلت نثرا لم تبطل جودة معانيها , ولم تفقد جزالة ألفاظها) [3]

وهذا الكلام يجعل من ابن طباطبا ناقدا منصفا للمعنى واللفظ معا, وإن كان ارتكانه إلى المعنى يعلو قليلا - كما أرى - لحرصه على الصدق الذي يجعل من الشعر

(1) = الحيوان 1/ 219

(2) = النظم عند عبد القاهر / 28

(3) - = عيار الشعر / 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت