الصفحة 79 من 103

وهل تعددت الأفاكر في شعره كما هو في الشعر القديم , من غزل ومديح وشكوى ووصف الديار والفيافي والنوق والرعود والبروق .. بحيث يتخلص من غرض إلى غرض بألطف تخلص , وأحسن حكاية بلا انفصال للمعنى الثاني عن الأول , بل متصلا به , ممتزجا معه كما طلب من الشعراء؟

الواقع أنه في شعره بخلاف ذلك , ومن الغريب أن قصائده تكاد تكون بأكملها في غرض الوصف , فهو يصف الطبيعة بكل ما فيها , ولقد أثنى النقاد على تفوقه في وصف الليل والنجوم والأزهار, (ومن جميل ما أورده ابن منظور له في أنسه بالليل والكواكب , وبكائه عليهما , وتوجعه لفقدهما: قوله

ياليل مالك لا تغيث كواكبا ... زفراتها وجدا عليك تقطع

لو أن لي بضياء صبحك طاقة .. ياليل كنت أوده لا يسطع

حذرا عليك , ولو قدرت بحيلتي ... جرّعته الغصص التي تتجرع

يا صبح هاك شبيبتي فافتك بها ... ودع الدجى بسواده يتمتع

أفقدتني أنسي بأنجمها التي ... أصبحت من فقدي لها أتوجع [1]

وهذا يعني أن ابن طباطبا الناقد العالم لم يكن هو ابن طباطبا الشاعر , ولا أرى عجبا في ذلك , فالرجل كان يحمل أمانة في فكره يريد من الشعراء القادمين أن يحملوها , وإن لم يلتزم هو بها في شعره.

وإذا لم يكن ابن طباطبا قد التزم الشكل القديم من تعدد الأفكار والموضوعات , إلا أنه التزم النظم والسبك , وحسن اختيار الألفاظ , ووحدة النص , وكون القصيدة كالكلمة الواحدة مما يُعلي عنده مفهوم الوحدة العضوية , ولا يمكن أن تكون الوحدة عنده (مفهوم شكلي , فالحرص على الصناعة لا يعني إهمال التجربة , وهذا دَفَعَ عجلة الشعر إلى الأمام , وليس العكس.

ولقد قال في المدح وغيره , ومن شعره في المدح:

ياسيدا دانت له السادات ... وتتابعت في فعله الحسنات

وتواصلت نعماؤه عندي فلي ... منه الهبات خلفهن هبات [2]

(1) - أصفهان في تراث العرب للدكتور عبد الرزاق حسين / موقع جمعية اللسان العربي الدولية على النت

(2) = معجم الأدباء 17/ 143

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت