فهرس الكتاب
ولا يوجد أحد يقول: (هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم , وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها .. . وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس) [1]
أقول: انظر إلى كل ذلك لتتأكد من أن فكرة وحدة النص وتلاؤمه هي فكرة النظم التي قامت عليها نظرية الإمام عبد القاهر - رحمه الله -.
ولعل إلحاح ابن طباطبا على أهمية وحدة القصيدة يرجع إلى اتهام الشعر القديم بكثرة موضوعاته , وخلوه من الهدف الواحد , لهذا تراه يعيد , ويكثر من قول: تفقّد القصيدة , وتأمل الأجزاء , وألا (يباعد الشاعر كلمة عن أختها , ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها , ويتفقد كل مصراع , هل يشاكل ما قبله؟) [2]
وابن طباطبا - رحمه الله - لم يكتف بالوحدة الموضوعية في القصيدة , وهو يرشد الشعراء , فلا تخلو قصيدة من ذلك أيا كانت , فلكل قصيدة غرض أساسي , حتى ولو حشد فيها الشاعر عشرات الأفكار و المهم أن تنسجم مع الغرض العام , فلو قال قصيدة في الغزل - مثلا - فله أن يذكر الدنيا وبهجتها , والورد وجماله , والنجوم وضياءها .... إلخ
وإن هو رثى ذكر زوال الدنيا وتقلبها , وفناءها , وعدم الاغترار بها , ومرارة العيش فيها ... وهكذا.
لكن ابن طباطبا لم يكن يهدف إلى هذا , بل كان يهدف إلى قصيدة تصب صبّا , وتفرّغ إفراغا حتى تكون ككلمة واحدة , وهو ما يطلق عليه الوحدة العضوية , لذلك تحدث عن بناء القصيدة , وتوافقها , والتنسيق والترتيب , وتعليق كل بيت بما حوله , وسلك القصيدة في سلك واحد , ويكون كالنساج ... , وهكذا فتح الباب للنقاد من بعد للحديث عن صور أخرى من الوحدة , مثل: وحدة الجو النفسي , والوحدة الفنية , والوحدة الحيوية .... إلخ
ويبقى شيء .. وهو:
هل كان ابن طباطبا نفسه في شعره يلتزم النموذج العربي القديم؟
وهل سلك منهاج أصحاب الرسائل في بلاغتهم , وتصرفهم في مكاتباتهم؟
(1) = الدلائل / 16 , 17
(2) = عيار الشعر 74