فهرس الكتاب
مفهوم الصدق في كتاب عيار الشعر
مصطلح الصدق موصول بالقلب , وله مداخل كثيرة إليه , فهو إذا استخدم في الموضوعات التجريبية العلمية فدلالته تعني الوضوح والدقة والبعد عن المبالغة , ومجانبة الخيال , لكنه في الأدب يحمل ظلالا أخرى , وإذا كنت في الشعر فالأمر أوسع وأعمق , وابن طباطبا في كتابه عيار الشعر طاف حول عدة معان للصدق , لكنها كلها تؤمن بأن الأصلح للشعر هو الصدق.
ولما كان الهدف الذي يدور حوله ابن طباطبا في كتابه - وهو طبع الشعر الحديث بطابع الشعر القديم , ودفع الشعراء إلى أن يحذوا حذوه , لأنه ديوان العرب - كان الإلحاح على الصدق في كلامه أمرا ضروريا , فالصدق والشعر لديه قرينان.
ويرى الدكتور إحسان عباس أن ابن طباطبا هو أول من أثار قضية الصدق والكذب في الشعر , وسر هذا أنه يرى الجمال في التناسب , والصدق صنو للتناسب الجمالي في القصيدة , ثم إن التناسب عمل ذهني يعرض على العقل ليقبله , أو يحكم فيه , والعقل لايطمئن إلا إلى الصدق , وهو يستوحش من الكلام الجائر الباطل [1]
وللصدق دلالة واحدة في كتاب عيار الشعر , وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال , بأن ينقل الشاعر تجربته كما عاشها , وهو ما عبر عنه ابن طباطبا بـ (صدق العبارة) أو كما ينبغي أن تكون , ويشرح ذلك فيقول: (ولحسن الشعر وقبول الفهم إياه علة أخرى , وهي موافقته للحال التي يعد معناه لها , كالمدح في حال المفاخرة , وحضور من يُكبت بإنشاده من الأعداء , ومن يُسر به من الأولياء , وكالهجاء في حال مباراة المهاجى , والحط منه حيث ينكى فيه استماعه له , وكالمراثي في حال جزع المصاب , وتذكر مناقب المفقود عند تأبينه , والتعزية عنه , وكالاعتذار والتنصل من الذنب عند سل سخيمة المجني عليه , المعتذر إليه , وكالتحريض على القتال عند التقاء الأقران , وطلب المغالبة .... إلخ) [2]
(1) - تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 28
(2) = عيار الشعر 20