الصفحة 82 من 103

وكل ذلك شرح لمطابقة الكلام لمقتضى الحال , فالصدق الفني هو هو البلاغة, ومجيء الكلام موافقا لحال السامعين.

ويتفرع من هذا النوع نوع آخر هو به لصيق , وهو ملاءمة المعنى للمبنى , أو مطابقة المعنى للمبنى , وهذا داخل في الصدق الفني , وإذا كان الوجه الأول منه هو مطبابقتة للغرض , فإن المطابقة هنا قائمة بين المعنى واللفظ , وكلما حسنت العبارة , وأظهرت ما يكمن في الضمير كان ذلك وجها من أوجه الصدق عند ابن طباطبا , ويترتب عليه فهم المعنى , والارتياح له , والابتهاج به , لأنه قد حدث توافق بين الطبع , أو الفهم والمعنى , وكل ذلك يظهر بوضوح حين تعبر الألفاظ عن حكمة ,أو مثل , أو تجربة , أو تشبيه , فكل هذه الأمور مألوفة للنفس , راسخة في الوجدان ,فإذا أعيدت عليها في عبارات جميلة أحست النفس بصدقها.

ولا يعد هذا ضربا مختلفا عن سابقه بل هو متفرع منه , فصدق التجربة هو الصدق في التعبير عن ذات النفس.

ومن العجيب أن يقال: إن من أنواع الصدق عند ابن طباطبا الصدق التاريخي , وهذا بعيد عن كلام الرجل, لأنه كان يشرح بعض النماذج من الشعر الغث المستكره الغلق , الذي ينبغي اجتنابه بسبب التواء الكلام , وخروجه عن النظم , وقبح العبارة فيه , وضرب على ذلك أمثلة منها قول الشاعر:

وما مثله في الناس إلا مملكا .... أبو أمه حي أبو يقاربه

ثم التفت إلى أن هناك حكايات لا يمكن التعديل منها , وهي الحكايات التاريخية ,التي ينبغي أن تنقل كما هي مما يُتسامح فيه بعض الشيء مع الشاعر , إذا أراد وضعها في الشعر , ونسجها مع خيوطه , ودمجها في معاطفه , وإن كان ينبغي أيضا على الشاعر إذا اضطر إلى ذلك أن يدبّره تدبيرا , وأن يبني شعره على وزن يحتمل الزيادة في الكلام , كما فعل الأعشى في خبر السموأل.

إذن لا علاقة هنا بالصدق التاريخي , وليس هو مما يتحدث عنه في الشعر العربي , وابن طباطبا في كل ما سبق كان يتحدث عن صوغ العبارة وصدقها في نقل التجربة من الشاعر إلى السامع , ولماكانت هناك تجارب تاريخية تحتاج إلى أوزان أرحب , التفت إليها الرجل , ونبه عليها فقط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت