رومي يسمى الرقيم، كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه، وهو في فلاة من الأرض خربة، وبأعلى غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة رومية يقال لها مدينة دقيانوس، وجدنا في آثارها غرائب من قبور ونحوها، ... قال والدي فسح الله في مدته وحين كنا بالأندلس كان الناس يزورونه ... وأما ما ذكر من مدينة دقيانوس التي بقبلي غرناطة فقد مررت عليها مرارا لا تحصى وشاهدت فيها حجارة كبارا ويترجح كون أهل الكهف بالأندلس لكثرة دين النصارى بها حتى إنها هي بلاد مملكتهم العظمى [1] ، ولأن الإخبار بما هو في أقصى مكان عن أرض الحجاز أبعد أن لا يعرفه أحد إلا بوحي من الله" [2] ."
أقول: ما استشهد به الإمام أبو حيان رحمه الله لا يعتدُّ به فزعم النصارى ليس بحجة فقد يوهمون الناس بأن هذه المغارة أو تلك هي الكهف حتى يتردد الناس عليها ويزورونها فينتفعُ بزيارتهم أصحاب المكان ويضفى عليه قداسة تجعل له قيمة ومنزلة تعود بالدراهم والدنانير على من روّج لهذا الإدعاء، كما هو حاصلٌ ومشاهد في كثير من البلاد، وأما استشهاده بكثرة النصارى في تلك البلاد فليس هذا دليلا على أن هذا الكهف هو المذكور في القرآن فللنصارى تواجد في بلاد أخرى عديدة، وأما استناده إلى بُعْدِ كهف الأندلس عن الجزيرة: فلقد غاب عنه البعد الزماني للقصة فلا عبرة ببعد هذا الكهف عن مهبط الوحي لأن العبرة بالبعد الزماني الذي جعل هذه القصةَ مطويةً منسيةً حتى عند كثير من النصارى فضلا عن اليهود.
وللإمام القرطبي رد على هذا الزعم حيث قال في تفسيره: ما ذكر من رؤيته لهم بالأندلس فإنما هم غيرهم، لأن الله تعالى يقول في حق أصحاب الكهف: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} [الكهف: 18] . وقال ابن عباس لمعاوية حينما كانا في غزوة ببلاد الروم لما أراد رؤيتهم: قد منع الله من هو خير منك عن ذلك. [3] .
وكما اختلفوا في مكانهم، فقد اختلفوا في زمانهم حتى زعم بعضهم أنهم كانوا قبل عيسى - عليه السلام - وأغرب بعضهم فزعم أنهم كانوا قبل موسى - عليه السلام - لأن اليهود كانوا على معرفة بهم، والذي أرجحه والله أعلم أنهم كانوا بعد عيسى - عليه السلام - وقبل بعثة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة اليهود بهم ليست دليلا قاطعا على كونهم قبل موسى أو بعده، لأنه لا تلازم بين ما يعرفونه وما
(1) - يعني ما كان في زمانه.
(2) - البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 6/ 99.
(3) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/ 358.