المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد أنعم الله - عز وجل - على الناس بنعم كثيرة، كان منها البيع والشراء، وفي إباحة البيع قضاء لحاجة الإنسان ووصول إلى غرضه، ولكن البيع المشروع ما وافق شرع الله، فالبيع يمكن أن يندرج تحت الأحكام الشرعية الخمسة: وهي الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح، والمسلم يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي في كل ما يخصه، ورد أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: (لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه) .
وقد وضع الإسلام شروطا عامة لعقد البيع ولصحته، ووضع شروطا في السلعة التي تباع، ووضع أحكاما عامة لكل من البائع والمشتري ولعملية البيع نفسها.
ونظرا لتطور أساليب التجارة والتعامل بين الناس فقد أصبح هناك أنواع من العقود لم تكن معروفة، وأخرى توسعت دائرتها، وصار لعامل الوقت أهمية في التعامل.
ومن البيوع التي اتسعت دائرتها (بيع العربون) ، وهو وثيقة ارتباط بين طرفين، وقد اختلف فيه رأي فقهاء المذاهب سابقا وتعددت آراؤهم، واليوم يفتي أكثر علمائنا بجوازه، ويعتبرونه حافزا لإتمام العقد في وقته، وفيه سد لأبواب الفوضى، وسبب من أسباب دفع الناس للوفاء بعقودهم. فبالعربون يضمن البائع أن المشتري لن يوقف بضاعته عبثا، ويضمن المشتري أن الصفقة التي يريد عقدها قد سارت في طريقها، وينقصها توفر باقي الشروط.
وأود في هذا البحث المختصر، أن أعرّف هذا البيع، وأبين آراء الفقهاء فيه، وأدلتهم، ومناقشة الأدلة، والراجح منها، وأثر بيع العربون على العقد من حيث الصحة والفساد، وحكم العربون في القانون المدني، كل هذا ضمن خمسة مباحث.
واللهَ أسأل أن يوفقني إلى السداد، ويهديني إلى أقرب الأقوال للحق، وأن يجعل عملي هذا في ميزان حسناتي يوم لقائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.