أتناول الفروق اللطيفة بين السكوت وما في معناه , مثل (الصمت - الإمساك - الإعراض - الإنصات .... إلخ)
وفي المبحث الثاني:
أتناول السكوت ومنزلته في عالم البيان
وفي المبحث الثالث:
أحلل مواضع السكوت في بيان المعصوم كاشفا ما أراه من دلالات , ووجه البلاغة في إيثار السكوت فيها على الكلام.
ثم تكون الخاتمة تلخيصًا لما يتبين من خلال التحليل , وبيانًا لبعض التوصيات للسائرين على الدرب للكشف عن وجوه البلاغة في البيان النبوي.
المبحث الأول فروق في الدلالات مدخل:
لكل كلمة في لغة العرب أسرة دلالية تتصل بها من قريب أو من بعيد , وتكوّن معها معجما خاصا , بحيث إذا ذكرت استدعى الذهن هذه العائلة التي تنتمي إلى خيط واحد , ونسب واحد , , وشجرة واحدة , وهذا الخيط قد يظهر جليا حينا , وقد يخفي أحيانا أخرى .. وكل ما يدور حول جذر لغوي واحد ينتمي - غالبا - إلى عائلة واحدة , وهذا ما فطن إليه العلامة ابن فارس في معجمه النفيس"مقاييس اللغة"حيث أداره على مفهوم أن الجذر الواحد يدور حول معنى واحد أو أصل واحد , وقليل من الكلمات ما يدور حول أكثر من معنى, وهذا المعنى الأصلي هو ما تعارفت عليه العرب , واستحضرته في كل مناسبة ذكر فيها اللفظ , أو إحدى مشتقاته , ومهما بالغ السياق في البعد عن هذا المعنى الأصلى إلا أنه حاضر في الذهن ,قائم في الكلام. وهناك قرابة أخرى ورحم آخر لا يقل في الاعتلاق عن رحم الأصل الواحد وهو رحم المترادفات أو الكلمات التى تتلاحظ معانيها، وتتجاوب دلالاتها، وإن لم يكن بينها اشتقاق لغوى، كأن (يقال برأ الله الخلق، وفطرهم، وجبلهم، وخلقهم، وأسرهم وذرأهم، وأنشأهم، وكونهم، وصورهم، وسواهم، وأوجدهم، وأحدثهم، وأبدعهم، وأبدأهم) فترى المعنى الأصلي ممدودًا بكثير من الكلمات و وكل منها تحمل خصوصية تناسب سياقا ومقاما خاصًا , وهذا يستدعي أن أقول: إن للسكوت أسرة دلالية يدور في فلكها , أو تدور في فلكه , وهي أسرة معنية بترك الكلام , وعدم النطق , والإعراض عن اللفظ , ومن هذه العائلة: (الصمت , والإمساك , والإنصات , والإطراق , والوجوم , والإعراض .. إلخ) فكل ذلك متصل بالسكوت من قريب أو من بعيد , وسوف يتعرض البحث له , لكن الذي يستوجب الآن أن أبينه , بعض الخصوصيات لهذه المصطلحات ولتكن البداية مع السكوت. السكوت: يقول ابن فارس: (السين والكاف والتاء يدلُّ على خِلاف الكلام.) (فالسكوت مختص بترك الكلام، والسُّكُوتُ خلافُ النُّطْقِ , والسكت: يختص بسكون النفس، ولما كان السكوت ضربا و (أصل السكوت: السكون (ولما سكت عن موسى الغضب(من السكون استعير له في قوله: والإمساك) وهذا يعني أن المقام يحتاج إلى كلام لكن أوثر عليه عدم الكلام , وعليه فلا يقال"سكوت"إلا إذا صح في المقام كلام. وقد يكون السكوت ترك الحركة , كما في حديث ماعِزٍ فرَميناَه بَجَلاَمِيد الحَرَّة حتى سكَت , أي: سكَن , ومات , وكأن حركته واطرابه من الحجارة صوت , ولكنه صوت يرى بالعين , فلما زالت هذه الحركة قيل على سبيل المجاز سكت. وقد يكون السكوت تَرْك رفْعِ الصوت بالكلام , يقول ابن حجر في حديث: كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد: (لا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرءوا: بسم الله الرحمن الرحيم , وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة سرا) وفي