الصفحة 6 من 20

آخر , لأن المقام مشحون بالتوتر , والانفعال الذي يطمس الكلام طمسا , وحين تُعرض القلوب عن الإنصات فمن الحكمة الصمت. كما أنك تلحظ أن السكوت حمل دلالات الغضب , والحزن , والشعور بخيبة الأمل في أقرب الناس إليه , كما حمل الإصرار على ما دعاهم إليه , وإرجائه إلى وقت آخر , تهدأ فيه النفوس , وتلين له القلوب. المبحث الثالث من بلاغة السكوت في بيانه صلى الله عليه وسلم تحليل مواضع السكوت في بيان النبي صلى الله عليه وسلم السكوت أخو الرضا: إن الرضا في البيان العربي لا يكاد يدل عليه إلا بالسكوت مثل موافقة البكر على الزواج فحياؤها يمنعها من الكلام وفي الحديث:"لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال أن تسكت) فالسكوت هنا رضى وموافقة ولامانع من الإنكار والرفض , ولقد جرى العرف العربي بأن السكوت الناتج عن الحياء يعني الموافقة. وهنا سؤال: من أين فُهمت الموافقة؟ إنها لم تفهم من السكوت فقط , ولكنها فهمت من الأحوال والملابسات المصاحبة للسكوت , وهذه الأحوال تشير إلى أن الأبلغ , والأعلى في البيان عن الموافقة يكون في هذا المقام بالسكوت , لماذ؟ لأنه سؤال عن الزواج ,وسؤال للفتاة البكر, وسؤال من الولي وليس من صاحبةٍ أو جارة, وكل ذلك يدفع إلى اتجاه السكوت عند الرضى , لأنه الأبلغ من الكلام, ولأنه دليل الحياء والدين و قد يدل على الرضى حين يبتدأ المقام بالرفض , ثم يتبع ذلك بالسكوت فيفهم من السكوت التالي للرفض أنه موافقة ورضى , ومن ذلك حديث مصعب بن سعد عن أبيه أنه قال:"مرضت فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقلت دعني أقسم مالي حيث شئت , فأبى , قلت فالنصف؟ فأبى , قلت: فالثلث؟ قال فسكت بعد الثلث , فكان بعدُ الثلث جائزا"فالسكوت هنا لم يكن مطلقا , وإنما جاء بعد رفض منطوق , فلما سكت بعد الكلام دل ذلك على أن السكوت يفيد الموافقة. لكن يبقى السؤال: لم أوثر السكوت هنا؟ إن إيثار السكوت هنا يشير إلى أن الموافقة غير مستقرة الاستقرار الكامل , ولذلك جاء في بعض الروايات الموافقة بالكلام , حيث قيل: الثلث , والثلث كثير , فكأن السكوت هناك موافقة منقوصة , أو ليست كاملة. وقد نقل البيضاوي (أنه صلى الله عليه وسلم مر بعزف دف , فقال: ما هذا؟ قالوا: ختان , فسكت.) فهل السكوت هنا أمارة الرضى؟ الظاهر يؤيد هذا , ولا ينبغي الزيادة على ذلك , فالمقام يباح فيه ما يباح عند كل مناسبة سعيدة , ولا يعني هذا أن السؤال كان نتيجة لسماع ما يخالف الشرع , ولكنه بسبب سماع ما ينبغي المشاركة فيه من رائد الناس , وكبيرهم , فلما كان المقام لا يستحق كبير عناء , اكتفى صلى الله عليه وسلم بالسكوت , تعبيرا عن رضاه بما يسمع من إظهار البشر والسرور بالمولود. ووقع في كتب الأصول مايسمى بالإجماع السكوتي , فالإجماع نوعان: إجماع صريح يبدي فيه كل مجتهد رأيه ويعلنه، وإجماع سكوتي أو ضمني حيث يكتفي المجتهد فيه بالصمت بعد أن يعلم بما حكم به الآخرون. وصورته إعلان فتوى من أحد المجتهدين في مسألة اجتهادية عرفت أمامه، وعلم بها بقية المجتهدين فسكتوا ولم يعلنوا رفضها، فالسكوت هنا إقرار بالفتوى , لأن المفروض في المجتهد العدالة، والعدالة تقتضي إعلان المخالفة متى وجدت دواعيها. فالسكوت - هنا - رضاء معتبر , ولا يكون السكوت كذلك إلا إذا فهم المجتهد الأمر، وأمن من الجور. والمثبتون لحجية الإجماع السكوتي يختلفون في درجة حجيته. فبعضهم يرى أن الإجماع السكوتي حجة قطعية، متى ثبت فهو كالإجماع الصريح سواء بسواء، والبعض الآخر يقولون بأنه حجة ظنية، لأن ثبوت الإجماع السكوتي أساسه رجحان احتمال الموافقة على المخالفة، وهو يورث الشبهة في دلالة الإجماع , ومع الشبهة لا وجود للقطعية، فيترجح القول بأنه حجة ظنية , إلا إذا كان هناك نص على أن المفهوم هو الرضا , أو أن المقام لا يفهم منه إلا الرضا. ومن ذلك ما رواه سيدنا (جابر بن عبد الله , أن أبي بن كعب: جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت