وفضله , وقالوا: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء , تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس) ومن هنا كان الوقوف على البيان بغير اللفظ أمرا مهما للباحث عن البيان العربي , وهذا أمر لا يمكن إغفاله , والاكتفاء بالألفاظ , فما دام هناك معنى مفهوم فهناك وسيلة للبيان لا بد من الإمساك بها , وإظهارها لأهل الفصاحة , والبيان. ولقد سبق لي بحث في البيان بالإشارة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وإذا شاء الله تعالى أتبعت هذا البحث بالوسائل الأخرى للبيان , من خط , وعقد , وحال , فهذه هي وسائل البيان البشري على الإطلاق , ويحتل السكوت فيها مرتبة عالية , تكاد تلي البيان باللفظ , لماذا؟ لأنه قسيم الكلام في البيان , ولأنه الوسيلة الأكثر استخداما في حياة الرسول الكريم ,الذي أُُُُُُرسل ليبين للناس , ثم تراه يسكت أكثر مما يتكلم , وهذا دليل واضح على أن سكوته صلى الله عليه وسلم كان وسيلة من وسائل البيان للناس , وهي وسيلة تحتاج إلى تحليل وفهم , كما أن كلامه يحتاج إلى تحليل وفهم , (فعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا". لاحظ هنا أن رسول الله جعل السكوت ذا دلالة ,وهي دلالة العفو والمسامحة في أمر الحلال والحرام , فقال"وما سكت عنه فهو عفو"فإذا جئت لتبحث في شأن المعاني عامة , والأخلاق خاصة فإنك ترى معاني كثيرة يدل عليها بالسكوت, فمثلا التواضع: يكون غالبا بالسكوت, وكظم الغيظ: يكون بالسكوت وفي الحديث:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت"فليس معنى"أو ليسكت"أنه لا كلام عنده , ولا معنى في قلبه , وإنما عنده كلام كثير , لن يؤدي إلى خير , ولكي يفهم السامعون ذلك دل عليه بالسكوت. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل على يميني , وميكائيل على يساري , فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف , فقال ميكائيل: استزده , حتى بلغ سبعة أحرف .. , فنظرت إلى ميكائيل , فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة". لا حظ هذا"فسكت فعلمتُ"يعني أنه صلى الله عليه وسلم - فهم من السكوت معنى , وهذا المعنى المفهوم لم يدل عليه بلفظ. وعلى هذا السبيل سار الصحابة ففهموا من رسول الله , ما قاله وما سكت عنه , وما صرح به , وما لم ينطق به ,وكان صلى الله عليه وسلم يسكت حين لا يرى للكلام مقاما يناسبه. ومن ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم دعا بني هاشم , حين نزل قول الله تعالى"وأنذر عشيرتك الأقربين"الشعراء 214 - لا حظ هنا أنه مأمور بالإنذار , وعليه أن يبدأ بالأقربين -"فحضروا , ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف , فكانوا خمسة وأربعين رجلا , فبادره أبو لهب , وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصباة , واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة , وأنا أحق من أخذك , فحسبك بنو أبيك , وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب عليك بطون قريش , وتمدهم العرب , فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به .... فسكت رسول الله ولم يتكلم في ذلك المجلس) نعم سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يتكلم. والسؤال: لم سكت وقد جمعهم ليبلغهم؟ وهل السكوت هنا أبلغ أم أن الكلام لن يجدي نفعا؟ وما الذي فهموه من السكوت؟ أم أن السكوت لا يدل على شيء؟ لقد سكت كما سكتت السيدة العذراء مريم , حين قالت"إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا"مريم 26 , لأن الكلام في هذا المقام لن يغني شيئا , فالجميع مشحون بحالة من النفعال التي تجعل الآذان مغلقة عن سماع أي شيء. إن الذي لا أشك فيه: أن السكوت هنا حمل من الدلالات مالا يحمله الكلام , هذه الدلالات تستطيع أن تتفكر فيها حين تدرك أن القصد ليس إلقاء عبارات في الهواء , ثم المضي قدما دون أن يلوي على شيء , بل القصد توصيل رسالة ذات ملامح محددة , وهذه الرسالة لا يستطيع اللفظ ولا المقام ساعتها أن يتحملها , فأرجئت إلى وقت"