الصفحة 4 من 20

حتى لا يقع في محذور , كما تلحظ فيه أن السياق يستدعي الكلام لكن السكوت فُضل عليه. الإعراض: يُعدّ الإعراض مبالغة في السكوت , لأنه يصاحبه حركة من الرأس والوجه إلى الجانب , أو إلى الخلف , وكأن الصمت وحده لا يكفي , فتدخل الوجه ليضيف إلى السكوت ما يدل على استحالة الكلام , لأن الإعراض عن الشيء هو الصد عنه , وغالبا ما يقترن الكره والغضب مع الإعراض. المبحث الثاني منزلة السكوت في عالم البيان منزلة السكوت في عالم البيان تتنوع وسائل البيان البشري عامة ,وتتكاثر أمام الباحثين وسائل التعبير عن المعاني , وهذا التنوع الهائل تراه شاخصا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ,وهو يوصل دعوته للناس , ويقف على رأس هذه الوسائل: اللفظ المنطوق , فهو مدار البلاغة العربية وحلبتها التي يتسابق أهلها في استخراج مكنوناته , وكشف أستاره , وهو النبع الذي لا ينضب , ولا يجف , وهو الذي حمل مراد الله لعباده إلى يوم يبعثون؟ وهو على العموم أفضل من السكوت على العموم. لذا لن يستطيع أحد أن يُعرض عنه , أو يستبدله بغيره , فهو الركن الأول في البيان , والذي تراه في قول الله تعالى حكاية عن أهل النار:"وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"لأن البيان جاءهم من طريقين , الأول: هو البيان باللفظ , والذي يناسبه قوله"نسمع". والآخر: البيان بغير اللفظ , والذي يناسبه قوله"أو نعقل"ففهم المعاني يأتي عن طريق السمع , وهو إحدى الحواس , أو عن طريق النظر , أو غير ذلك من الحواس, التي تغذي المتلقي, بالدلالات التي تُحمل بوسائل مختلفة عن اللفظ المسموع , ولا يمكن إغفال البيان بها , حتى وإن كانت تدور في كنف اللفظ , وترتبط به من قريب أو من بعيد. والبيان كما قال الجاحظ: (اسم جامع لكل شيء - أكرر هذه العبارة: اسم جامع لكل شيء - كشف لك قناع المعنى , وهتك الحجب دون الضمير , حتى يفضي السامع الى حقيقته , ويهجم على محصوله , كائنا ما كان ذلك البيان , ومن اي جنس كان ذلك الدليل , لأن مدار الأمر , والغاية التي إليها يجرى القائل والسامع إنما هي الفهم والإفهام , فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذاك هو البيان في ذلك الموضع) وفي تفسير ابن المقفع للبلاغة يقول: (: البلاغة اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة فمنها ما يكون في السكوت ومنها ما يكون في الاستماع ومنها ما يكون في الاشارة ومنها ما يكون في الحديث) ولا تعجب حين ترى خلف السكوت بلاغة قد لا تجدها في بلاغة الكلام , فالسكوت جزء من البيان الذي علمه الله تعالى للإنسان , وامتن عليه بذلك فقال سبحانه"الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان"ورحم الله الإمام عبد القاهر , فلقد قال لافتا الانتباه إلى مثل ذلك في باب الحذف: (هذا باب دقيق المسلك , لطيف المأخذ , عجيب الأمر , شبيه بالسحر , فإنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر , والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة , وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق , وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن) فالإمام عبد القاهر وإن كان يتحدث عن الحذف أثناء الكلام , إلا أن إشارته في الإعراض عن اللفظ , وعدم التصريح به , وأنك أنطق ما تكون إذا لم تنطق , يشمل السكوت عن الكلام أيضا , ففي مركوز الفطرة أن السكوت قد يفيد من المعاني ما لا يفيده اللفظ. وحين يفهم الصحابة شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم لا تجد لفظا منطوقا , فينبغي أن تقف لتسأل: من أين فهموا ما فهموه؟ وما وسيلة البيان التي رجعوا إليها في فهم تلك المعاني مع عدم وجود اللفظ؟ فالحياء مثلًا , وهو خلق الإسلام الأول لا يدل عليه إلا بالسكوت , والعرب تقول في خطبها: (ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك ألا تبينه , فإن الكلام سلاح السلم , وبالأنين يعرف ألم الجرح) ومع ذلك لم يخل السكوت من معان أخرى , قد يدل عليها بالألفاظ , لكن المتكلم في بعض السياقات يؤثر الدلالة عليها بالسكوت , لأنهم رأوا فيه زخما من الدلالات التي قد لا يقوى اللفظ على حملها , أو يطول به السياق , فتراهم يقولون: وربما كان السكوت جوابا, ووضعوا في كتبهم أبوابا للسكوت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت