الصفحة 38 من 400

الهمز والتسهيل بين القبائل:

... لما كانت الهمزة صعبة النطق ثقلت على لسان المتلفظ بها، حتى إن الإمام الرضى (ت686هـ) يقول:"اعلم أن الهمزة لما كانت أدخل الحروف في الحلق ولها نبرة كريهة تجرى مجرى التهوُّع ثقلت بذلك على لسان المتلفظ بها" [1] ، ويورد ابن يعيش (ت643هـ) مضمون هذا الكلام مذيلًا له بقوله:"فلذلك من الاستثقال ساغ فيه التخفيف وهو لغة قريش وأكثر أهل الحجاز، وهو نوع استحسان لثقل الهمزة، والتحقيق لغة تميم وقيس" [2] 0

... لما ثقلت الهمزة هكذا، وكان فيها هذه الصعوبة والمشقة مالت بعض القبائل إلى التخلص منها، وبهذا اختلفت القبائل في تحقيقها أو تسهيلها على النحو التالى:

أولًا: التحقيق:

... وهو لغة تميم وقيس - كما نص على ذلك ابن يعيش - وبنى أسد ومن جاورهم من القبائل البدوية [3] 0 ذلك أن الهمزة - بشدتها وغلظها - تتفق مع طبيعتهم البدوية الجافة، ثم هى - في كلامهم - تقوم بشىء من الضبط الإيقاعى للحد من سرعتهم في الكلام [4] 0

ثانيًا: التخفيف:

... وهو - على اختلاف صورة كما سيتضح بعد - لغة أهل الحجاز وبخاصة مكة والمدينة،"قال أبو زيد: أهل الحجاز وهذيل وأهل مكة وأهل المدينة لا ينبرون، وقف عليها عيسى بن عمر فقال: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا" [5] 0 وذلك أن النطق بالهمزة المسهلة - على اختلاف ألوانه -"لايحتاج إلى كبير عناء، وكذلك فهو يتناسب مع الطبيعة الحضرية التى تمتاز بالرقة والسهولة في كل شئ، كما أن البيئة الحضرية تقرب فيها المسافات فلا حاجة إلى رفع الصوت وإبرازه" [6] ، فمال الحضريون إلى التسهيل الذى يتفق مع طبيعتهم0

(1) شرح الشافية 3/31، 32، وانظر المقاييس (همز) 6/65 0

(2) شرح المفصل 9/107، ط0 مكتبة المتنبى القاهرة وعالم الكتب بيروت0

(3) ينظر حياة اللغة العربية، حفنى بك ناصف، 13، ط0 مطبعة جامعة القاهرة، الثانية، 1958، العرب والعربية، السيد عبد الرحمن العيدروسى، 135، ط0 مطبعة دار التأليف، 1384هـ/1964م، اللهجات العربية نشأة وتطورًا، د0 عبد الغفار هلال، 220، ط0 مكتبة وهبة، الثانية، 1414هـ/1993م، اللهجات العربية في معانى القرآن للفراء، د0 صبحى عبد الكريم، 156، ط0 دار الطباعة المحمدية، الأولى، 1406هـ/1986م0

(4) ينظر: خصائص لهجتى تميم وقريش، د0 الموافى البيلى، 62، ط0 مطبعة السعادة، الأولى، 1407هـ/1987م0

(5) اللسان (المقدمة) 1/26 0

(6) الظواهر اللغوية في لغة الإمام الشافعى، د0 صلاح عيطة، 76، ط0 مطبعة الرضا، الأولى، 1410هـ/1989م0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت