الصفحة 61 من 68

بإبراز المعنى الواحد في قوالب متعددة وصياغاتٍ متنوعةٍ وفي سياقاتٍ مختلفةٍ لتقرير هذه المعاني وترسيخِها أو لدحض شبهٍ عالقةٍ بالأذهان وتفنيدها ، مع مراعاة السياقِِ الذي به تنتظم المعاني ، والمتأمل في الحوارات القرآنية يلمس هذا التنوع في موضوعاتها وفي أطرافها ، وفي أمكنتها وأزمنتها ، وفي عرضها وأسلوبها وفي تناسبها واتساقها مع أهداف السور ومحاورها ، ونرى التنوع أيضا في الموضوعات التي تطرق الحوار إليها فنجده تطرق أولا إلى قضية العقيدة بجميع محاورِها ، كما استطردَ إلى تقرير الأحكام ومكارم الأخلاق ، وهكذا ينبغي أن يكون الحوار مع الآخر حوارا في مختلف القضايا ، لا كما نراه الآن في مؤتمرات ومنتديات حوار الأديان - الرسمية - التي تقتصر على تناول بعض القضايا الفرعية المعاصرة ، دون القضايا الأساسية مما يجعل هذه الحوارَات باهتةً وخاويةً ، وربما أضفي الاجتماع على هذه الفروع شعورا لدى العوام باتفاق الأديان على الأصول أو بإقرارِ المسلمين خاصةً بما عليه أهل الكتاب مما يؤدي إلى إلباسِ الباطل ثوبَ الحقِّ .

"إن القرآن الكريم بحواره يخاطب الكائن البشري كلَّه ؛ عقله وضميره ووجدانه ، يحرك الفكر والتأمل ، ويلمس الحسَّ والبصيرة ، ويثير الانفعال والشعور ، فيستغلُّ في الإنسان كلَّ طاقاته ومواهِبِهِ ، وينفذُ إلى صميمه من كلِّ منافذه ، ويؤثر فيه بكل المؤثرات ، لم يقتصر الحوار على خطاب العقل ، فالعقل نافذةٌ واحدةٌ من نوافذه ، لم يسلك سبيل الإقناع الذهني المجرد ، ولم يعتمد قط على أقضية المنطق الجافة ، إنما ارتفع بأسلوبه إلى مجال الفطرة الشاملة ، وقصد به إلى منطقة الوجدان" (1) .

(1) - منهج القصة في القرآن محمد شديد ص 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت