فهرس الكتاب
لقد سبقت الإشارة إلى أن الأئمة الفقهاء رضى الله عنهم حين اختلفوا كان لأسباب موضوعية تعرفنا عليها فيما مضى ، وأشرنا كذلك إلى أن دائرة هذا الخلاف كانت في بيان الراجح من المرجوح فيما هو محل للاجتهاد ، وليس في الأركان والعقائد (هذا هو الطابع الغالب على اختلافاتهم ، وإلا فإن للأئمة الفقهاء كلامًا حول مسائل في العقيدة ، مثل مسألة زيادة الإيمان ونقصانه ، ولكن هذه المسائل المختلف عليها لم تخرج بهم عن الإطار العام ، وهو أنهم من أهل السنة والجماعة) ، ومن ثم لم يَحُلْ هذا الخلاف بينهم وبين ارتباط القلوب ، وتبادل أسمى آيات الحب والاحترام .
لقد ضرب أئمتنا في هذا المجال أمثلة رائعة ، يطول البحث لو أتيت عليها جميعًا ، لاسيَّما إذا أردنا أن نتعرف على كافة مظاهر هذه الآداب ، وتوسعنا في إيراد الأمثلة عليها . لكننى - طلبًا للاختصار - أقتصر على ثلاثة مظاهر فقط لهذه الآداب مع ما يؤكدها من أمثلة من حياة الأئمة الأربعة - رضوان الله عليهم - آملًا أن يكون لها الأثر الطيب في نفوس المقلدين لهذه المذاهب ، فيدعوا التعصب الذى يدفعهم إلى مناصبة العداء لكل من يخالفهم .
والمظاهر الثلاثة التى سأتحدث عنها هى:
1 -كثرة ثناء الأئمة بعضهم على بعض .
2 -الاحترام المتبادل فيما بينهم .
3 -دعاء بعضهم لبعض بظهر الغيب .
ونتعرف على كل مظهر منها بشىء من الإيجاز فيما يلى:
1 -كثرة ثناء الأئمة بعضهم على بعض:
حفلت كتب التراجم بالكثير من الكلمات الطيبة التى قالها أئمتنا في حق شيوخهم وتلامذتهم ، وهى تنم عما كان في قلوبهم من حب وإكبار لبعضهم ؛ وإليك بعض الأمثلة:
يقول الإمام مالك في شأن الإمام أبى حنيفة رضى الله?عنه?لو ناظرنى أبو حنيفة في أن نصف هذه الاسطوانة ذهب أو فضة لقام بحجته" (لزوم إتباع مذاهب الأئمة حسمًا للفوضى الدينية ، ص38 ، محمد الحامد - طبعة ثالثة سنة 1396هـ - دار الأنصارى - القاهرة) ."