الصفحة 195 من 439

... وهذا الكلام لم يرق ابن سنان ، فراح يعلق عليه بقوله:"وهذا الذى قاله أبو القاسم لا ارضى به غاية الرضى ، ولو كنت أسكن إلى تقليد أحد من العلماء بهذه الصناعة ، أو أجنح إلى اتباع مذهبه من غير نظر وتأمل ، لم أعدل عما يقوله أبو القاسم ، لصحة فكرة وسلامة نظره ، وصفاء ذهنه وسعة علمه ، لكننى أغلب الحق عليه ، ولا أتبع الهوى فيما يذهب إليه ، وبيت امرئ القيس عندى ليس من جيد الاستعارة ولا من رديئها ، بل هو من الوسط بينهما ، وبيت الغنوى [1] أحمد في الاستعارة ، وأشبه في المذهب الصحيح منه ، وإنما قلت ذلك ؛ لأن أبا القاسم ، قد أفصح بأن امرأ القيس لما جعل لليل وسطا وعجزًا استعار له اسم الصلب ، وجعله متمطيًّا من أجل امتداده ، وذكر الكلكل من أجل نهوضه ، فكل هذا إنما يحسن بعضه لأجل بعض ، فذكر الصلب إنما حسن لأجل العجز ، والوسط والتمطى لأجل الصلب، والكلكل لمجموع ذلك ، وهذه الاستعارة المبينة على غيرها ، فلذلك لم أر أن أجعلها من أبلغ الاستعارات وأجدرها بالحمد والوصف ، وكانت استعارة طفيل أدق وأصح ؛ لأنها غنية بنفسها ، غير مفتقرة إلى مقدمة جلبتها [2] ".

... أول ما يلاحظ في كلام ابن سنان ، تواضعه الذى لا يبارى فهو يسلك كل طريق في التأدب مع غيره ، كما نلاحظ ـ أيضًا ـ منزلة ـ العلامة ـ الآمدى عند كل العلماء ، وبخاصة ـ ابن سنان .

(1) انظر ص (195) من هذا الفصل وراجع البيت في الموازنة 1/267 ، ونقد الشعر 179 .

(2) سر الفصاحة ص 122 ، 123 . وقد فهم د/ عبد الرازق أبو زيد كلام ابن سنان خطأ فراح يقول:"؛ لأن البيت في رأيه ـ يعنى ابن سنان ـ من باب التشبيه ، لا من باب الاستعارة" (سر الفصاحة دراسة وتحليل ص 106) ، والحقيقة أن هذا رأى ابن الأثير وليس ابن سنان (المثل السائر 88/2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت