الصفحة 342 من 439

"وقد ألّف الناس في علم البيان كتبًا ، وجلبوا ذهبًا ، وحطّبوا حطبا ، وما من تأليف إلا وقد تصفحت شينه وسينه ، وعلمت غثه وسمينه ، فلم أجد ما ينتفع به في ذلك إلا كتاب"الموازنة"، لأبى القاسم الحسن بن بشر الآمدى ، وكتاب"سر الفصاحة"، وإن نبه فيه على نكت منيرة ، فإنه قد أكثر مما قل به مقدار كتابه ، من ذكر الأصوات والحروف ، والكلام عليها ، ومن الكلام على اللفظة المفردة ، وصفاتها مما لا حاجة إلى أكثره ، ومن الكلام في مواضع شذ عنه الصواب فيها" [1] .

... أقول قبل مناقشة كلام ابن الأثير ـ السابق ـ إنه مع علمه الغزير وطريقته الأدبية الرائعة في تناوله للمسائل البلاغية ، إلا أنى لست أعلم تفسيرًا لتحامله على ابن سنان الواضح .

... فكم من نصوص يذكر فيها ابن سنان مادحًا ثم يستتبع ذلك بنقد لاذع .

... وأرجح أن يكون سبب ذكره لسر الفصاحة في أول كتابه ، ليس ميلًا لابن سنان وتقديرًا لمنزلته ـ كما يدعى ـ ولكنه لما علم أنه سيتعرض لنقده وشن الحملات عليه آثر أن يبدأ كتابه بمدحه ، والتستر وراء ذلك .

... وقد كان ابن الأثير ذكيًّا ، لا ينقد ابن سنان وحده ، وإنما يذكره ضمن آخرين حتى لا يُلام بعصبه ضده .

... ولست بهذا الكلام متحاملًا على ابن الأثير ، كيف وأنا أعلم منزلته العلمية وأثره على البلاغة والبلاغيين من بعده ، ولكنها محاولة لتوضيح سبب نقده لابن سنان.

... وليست هذه هى المرة الوحيدة التى يتصدى فيها ابن الأثير لابن سنان ، ولكن"المثل السائر" [2] زاخر بالنقد اللاذع على الرجل فمن ذلك قول ابن الأثير:

(1) المثل السائر 34/1 ، ولاحظ عبارة ابن الأثير الأخيرة"ومن الكلام في مواضع شذ عنه الصواب فيها"، تدرك أنه يمهد لنقد ابن سنان.

(2) راجع المثل السائر: 212/2 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت